الشرفة




(لغة تجريدية)


نحو الشرفة الناعسة ، نحو عيون الشتاء ، حيث  يتساقط الشوق كالمساءات، يتخفّى خلف السكون ، خلف صوت الغيم ، يبني عشّا بطعم الذيول .
الظلال تلك الظلال ، ترنو نحو  باحة الصمت  ،هناك خلف ستارة الوهج البنّي  ، حيث  أنفاس الصقيع تردّد غربة الفجر.

 من تلك الزاوية ، تتصاعد أرواح الضباب الخضراء ، مبتهجة بالنسيم .

الرمال





 
حينما عدت الى يدي الناعسة و جدتها حقولا برية تبحر في الهدوء كفراشات الربيع . كانت تلوّح للوهج القاتم . يا للفجيعة  ، لقد رأيتها بعينيّ هاتين وهي تذوب في طرقات بلا نكهة  كانت تذوب أمام عينيّ بلا رحمة . هكذا تذوب كنجمة سمراء بلّلها المطر . الآن بدأت أعرف كم هو قاسٍ وجهك الودود ذو الابتسامة العريضة .
أيتها الأيام الشاحبة ، وجهك الباسم ينسلّ من بين يدي كقطّ ثقيل ، يا  لأوراقه المتساقطة  في عمى يأسر المكان  . أنا لا أنكر بهجة الأعياد الهندية  و ألوانها الفرحة . أنا لا أنكر عمق مًن صنع  مصيره بيده . أنا فقط أريد أن أقول شيئا : ما هكذا رأيت الرياح الحنونة وهي تحملني نحو رمال  بنيّة . حينها كنت طفلاً أغرق في النسيم .
سأعود مع العصافير أعدّ اشجار الخريف ، ليتك تتذكر عطرها الندي ، و تلك الرمال ، ليتك  تعلم انّ قلب الخريف من رمل ، و أنه بساط سحري يعشق القمر . أتراك تجيد السير على ركيتين عاريتين  ؟ أتراك تجيد لفظ الاسماء الباسلة   ؟ ألم تعلم أنني هنا منذ عصور ،  منذ أن التقيت بك في مرآة صدئة . يا للضوء البراق ،  يا للنقاء الذي تحدثني عنها الجنيات الطيبة  .


·         نص تجريدي


الاشراق العميق في نصوص هالا الشعار التقليلية







الشعر اشراق على اسرار اللغة و تجل لعبقريتها و استنطاق لصوت روحها العميق . الشعر هو اقتناص اللحظة الشعورية العميقة و الكشف عن نقابها فتشرق شمسا جديدة جميلة الى الناس . ليس الشعر مجرد سبك جميل للكلمات فان هذا من التصوير السطحي ، انما الشعر نفوذ حيّ و عميق و متوهج الى روح اللغة و ينابيعها السرية و عوالمها المتخفية خلف الحجب . ان لم يخترق الشعر الحجب و ان لم يبلغ الكواكب المشعة و الحقول المتوهجة للغة فانه لن يكون شعرا بالمعنى العميق .
حينما تشعر ان النص ينقلك و بقوة و بسرعة الى عالم عميق و الى حياة جديدة و يضيء لك مواطن الشعور و الاحساس و يولد في نفسك زخما معرفيا و فكريا حينهما نكون أمام كتابة فذة و حقيقية و ليس مجرد تفنن كلامي و لفظي . هذه الكتابة العميقة  التي تتجاوز السطح و تنفذ الى روح اللغة نجدها متجلية  في كتابات الشاعرة  هالا الشعار ، و تبلغ تجليها الاكبر في نصوصها التقليلية .
في نص عالي الشاعرية و متعدد الدلالة  يرتكز على عمق الفكرة و الرمزية  تقول الشاعرة فيه :
(بين وردة ولهاث
ثمة فضاء صغير )
ان المساحة الجمالية  الواسعة سواء من جهة الكم او الكيف الشعوري  او من جهة النفوذ و الحجم تتحقق هنا بواسطة تقنيات التعدد الدلالي و الاستعارة الكتلية ( الجملية ) ، وهو فن كتابي تجيده هالا الشعار اشرنا اليه في مناسبة سابقة حيث انها لا تقتصر في مجازها و استعارتها على الانزياح اللفظي في المفردات بل تلجأ و بلغة متطورة الى الرمزية الكتلية و الاستعارة بالجمل و التراكيب اللفظية ، محققة واقعا و عالما  نصيا يعيش فيه القارئ وسط لغة راسمة . و رغم قصر النص الا انه يحقق حالة الرسم و الابعاد الثلاثة  . هذا النظام المتقن من اللغة الراسمة و الرمزية التعبيرية يحقق اضافة مفهومية و اشراق على مكنونات اللغة و اطلاع على الينابيع السرية للشعر ، محققا ( التعبيرية المفهومية) التي لا تترك مجالا للفكر الا الشعور بالدهشة و العجز و هما أهم غايات الكتابة الشعرية و التخيلية ، و بذلك يبلغ النص غاياته الفنية و الجمالية و الرسالية .


و في نص مكثف و معبر ببوح شفيف  ينتمي الى أدب القضية تقول فيه الشاعرة :
(تقاسمني
الخراب )
ان حالة الجذب الكتابي هنا و نقل القارئ الى النص بسرعة و بقوة متأتٍ من الصدق العميق و البوح الشفيف و من عمق الكتلة الشعورية التي يحققها النص في مجال الاستجابة الجمالية ، باستعارة قريبة و تعاونية عالية ، و هذا النفوذ في العمق الشعوري يحقق حالة الاشراق في مجال الاحساس و العاطفة و التأثير بلغة قريبة  . و بهذا الشكل من الاشراق يتحقق شكل اخر منه باللغة القريبة في قبال النص السابق الذي يحقق حالة الاشراق بلغة رمزية عالية .

و في نص عذب بقاموس متموج بين الحلم و الحقيقة تقول هالا الشعار
(بضعُ خطى
بيني وبين اليمامة
أكاد ألامس الهديل )
ان العذوبة الشعرية بأدب يتميز بالفنية العالية من انزياح و خيال ، هو أحد أشكال ( اللغة المثلى ) التي يبلغ بها النص غاياته ، و يتجه بالكتابة نحو النص الكامل . و أهم تقنيات اللغة المثلى او ما كنا نسميه ( اللغة القوية ) هو التموج التعبيرية و وقعنة الخيال . فيتجلى التموج التعبير في قاموس لفظي يجمع بين لحظات واقعية و اخرى خيالية فالاول في ( بضع خطى ، بيني و بين اليمامة ) و الثاني في ( أكاد ألامس الهديل ) ، كما أنه بذات الأسلوب تحقق نظام ( وقعنة الخيال ) حيث ان القارئ يُنقل الى حياة النص بكفاءة عالية و لا يكاد يميز في ان التعبير هنا نظام خيال ام واقع ، فلا يجد نفسه الا مبحرا في فضاء هذه الكتابة الجميلة بامتاع فكري و شعوري .
و نجد هذه اللغة المتموجة  ايضا في نص آخر للشاعرة تقول فيه :-
(سأجمعُ صمتي
صمتي كلّه
لأدفع عني تهمةَ الماء
ابتلاء الهواء
لست سوى هُنَيْهَةَ فرارٍ
من نار وتراب واغتراب
على سطحِ هذا الكوكب المُتْعَب  )

فوسط البوح الشفيف و التوصيلية المخلصة نجد عبارة مركزية و مؤثرة تتمثل بمقطع (لأدفع عني تهمةَ الماء \ ابتلاء الهواء ) هذا النظام الاستعاري الرمزي كسر حالة التوصيلية و حقق التموج التعبيري ، و نقل البوح الى حالة رمز و حالة الخيال الى واقع نصي فيتحقق نظام ( وقعنة الخيال ) .
هكذا نرى ان هالا الشعار و بنصوص تقليلية قصيرة  تحقق انظمة شعرية عالية بطاقات  تعبيرية  كبيرة ، باشراقات ذات نفوذ عميق و مساحات استجابات جمالية واسعة  ، تكشف النقاب عن اسرار الكتابة المؤثرة  و عن وجه اللغة المتوهجة   .








( العربيّ)






 جبرائيل خطّ النيل و الفرات ،  فكانت هنا القلوب رمالا و نسيما ، و كانت الأغنيات ( حفّلا  معسولة الحلب) (1) ، و كانت الفراشات أسدا و نمرا .
رغم الضباب  ، نعم أنا عربي ،  و رغم الحزن و الألم العريض ، نعم أنا عربي ، و رغم موت العالم الأعمى ، فإنّ في زوايا أملي نورا مخبّأ و ترانيم تعرفها الفصول الشاحبة .
أزقة النجف رسالات  معلّقة بالفردوس ، و من طيبة حملنا أعباء المجرّة  فكنّا القدس و كنّا قربان العصور ، و من صحراء تونس أسود علّمنا الزمن الرماديّ الضوء  ، (يده يد أسد ، و ظفره مخلب نسر)(2) ، نستلّ من قلب الزمن عبق الخيمة و زعفران المائدة .
أحببنا البحر ، فكانت الأندلس  ، و أحببنا عيون السحر فكانت السند و بخارى و كابل ، لولا وردة  في ساحلنا الفضّي ، لما عرفت نجوم روما حكايات النور .
حينما أجلس وسط الخليقة  ، فأنا ابن ابراهيم و اسماعيل و عبد المطلب ، يأتي أمّة وحده ، عليه سيماء الأنبياء (3) . يأخذ صوته بيدي فأبصر .
نعم أنا عربي صحراوي كمكة و سيناء و رقراق كبغداد ،  وجهي كلوحة رسّام أسمر ، ينهل من كأس فردوسيّ حكايات العشق و مدن البلّور ، من أعماق السلام اسلامي محمدّيّ ، ومن زويا النور ثيابي و وأزهاري الزاهية .
أنا عربيّ كالكعبة وسط المجرّة  ، أنا وسط الخليقة وصوت الشهود و ترانيم الرثاء ، نعم أنا الألم العريض ، و الجرح المغدور ، نعم انّ السور رثّ ، و الثياب ممزّقة ، لكنّي سأسير حافياً حتى أطرق باب الزمن الأعمى بيدي المهشّمة ، وأضرب رأسي بحائط الحقيقة فأصحو ، فلقد سئمت دماء الوهم ، و شعارات اللصوص باسم  أحمد و السماء ، سأعمل من يدي واحة للطيور ،  أعلّمها انشودة المطر و البكاء ، عسى أن تتحرّر من ثياب النزف البراقة ، فهنا في هذا القلب وجه الشمس و عشبة الخلود ، هنا في هذا القلب ، بيت و أغنية ، حكاية عزّ، و نداء و أنتظار .






1-                من قصيدة ( السيف اصدق انباء من الكتب ) لابي تمام
2-                ملحمة جلجامش اللوح السابع ترجمة د انور غني الموسوي
3-                 حديث شريف في عبد المطلب رضوان الله تعالى عليه .




توهّم المعرفة الحلقة الثالثة ( السياسة الدينية )







يقول الفكر اللاديني ان العلمانية تدعو لقيام دولة قائمة على العلم و ليس على الايمان  . و هنا ايضا يتوهم الفكر اللاديني او يبرز توهيما الا وهو معارضة الدين للعلم . و طبعا ليس الفكرة ناتجة عن فهم خاطئ للدين فقط و انما ايضا ناتجة عن فهم خاطئ للعلم . و الغريب ان كتب المختصين بالدين و الشريعة مليئة بعبارات علوم و علم ، و نادرا ما تجد كتابا مختصا بمعارف الدين و الشريعة يخلو من كلمة علم او علوم ، بل ان الدين ما يطرح الا باعتباره علما ، فكيف يدعى ان الدين معارض للعلم .  هذا من جهة و من جهة أخرى ان الدين قد كرّم العقل و حكم العقلاء و أقرّ المعارف العلمية الوضعية و دعا اليها ، و النصوص الدينية مليئة بعبارات الحثّ على العلم و طلبه بما لا حاجة لمزيد من الكلام،  بل ان الفصول و الاجزاء التي تعنى بالعلم و طلبه في كتب الحديث و الفقه تتجاوز في حجمها اي فصل آخر فيها ، بل ان هنا كتبا و مؤلفات مستقلة في العلم و طلبه .
ان الاحتجاج بالواقع على الواقع غير صحيح في عرف كل من له منطق ، وكل نظام له نظرية و تطبيق كما هو الاسلام ، حينما يساء تطبيق النظرية لا يمكن ابدا و لا يصح جرّ ذلك على النظرية . بل واجب الباحث الرجوع الى المصادر الاصلية الحقيقية . كما انه حينما تكون التعاليم منقولة و تتدخل آلة النقل و قدرتها النقلية في صحتها يكون لزاما البحث عن النقل الصحيح و ليس كل نقل . ان من الواضح ان الاستدلال على ضعف و خطأ النظرية من خلال التطبيق او الاستدلال على خطأ المنقول جميعه  من خلال نقل خاطئ هو من عدم الانصاف و اللاعلمية و اللاموضوعية .
ثم اننا نجد الفكر اللاديني السياسي يرفع راية العدالة الاجتماعية و يشير الى ان السياسة الدينية غير محققة لذلك وهو كلام لا واقعية له فاما على مستوى النظرية فان النصوص الدينية من آيات و روايات تحقق العلم القطعي باستناد الحكم الاسلامي على العدل و اشتراط ذلك في شرعية الحاكم ، و على مستوى التطبيق فان اسمى صور العدل كانت في حكم النبي صلى الله عليه و اله و وصيه  عليه السلام، و البشارة النبوية انما كانت بدولة العدل في من  سيملأ الارض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا ، فلا أدري اي عدالة يستطيع الفكر الديني ان ينفيها عن الاسلام ، و ليس من حقه استغلال  خروج جماعات شاذة و حكام ظالمون في الاسلام   لتعميم ذلك على الاسلام .
و بالنسبة للسلطة و التسلط فانا كثيرا ما نجد وهما و توهيما بخصوص التسلط الديني السياسي ، مع ان القريب و البعيد صار يدرك انه لا ولاية و لا طاعة و لا قدسية  الا للانسان الكامل المتمثل بالنبي صلى الله عليه و اله و وصيه عليه السلام بامر من الله تعالى ، و اما غيرهما فلا ولاية له و لا طاعة ولا قدسية  له مهما كان ، و انما الرجوع و تقليد رجل الدين و الفقيه هو من مقتضيات العقل من باب رجوع الجاهل الى العالم لتعذر تناول المعارف الفقهية مستقلا على غيره ، و الحال هنا كما هو حال الرجوع الى المختصين في اختصاصهم فكما يرجع الى الطبيب في اختصاصه و الى المهندس في اختصاصه  وهكذا نحو ذلك فانه يرجع الى فقيه في اختصاصه . كما انه صار معلوما ان الرجوع للفقيه انما هو في الاحكام و الامور العملية  و اما العقائد و المعارف فلا تقليد فيها بل يحرم فيها التقليد .فتكون التعاليم الدينية السياسية الحقة نصائح و ارشادات عملية يفرض العقل و يوجب تقبلها لانها صادرة من الشارع الحكيم العالم . انا لم نجد اعتراضا مصيبا يتوجه الى المعارف الاسلامية الحقة  و تطبيقاتها الصحيحة و المنقولة بالنقل الصحيح ، و هذا الامر مؤكد ايضا لان المعارف الدينية تتصف بموافقتها العقل و الحكمة و الدين قائم على العقل و الحكمة ، فلا يمكن ان يتطرق اليه الوهن ، و كل طعن في الدين انما كان من المغالطة المنطقية و من الاحتجاج بالواقع على الواقع بظهور حالات من اللاعلمية في الفتاوى او القيادة السياسية الاسلامية لا يعني ابدا تجويز و اعطاء الحق للطعن في الدين واهله و ان هذا منتهى الجور و اللاعلمية التي يسقط فيها دوما الفكر الاديني .مع ملاحظة ان الالفاظ المتعلقة بالقهر و الظلم السياسي المتمثل بالدكتاوترية  و الامبراطورية و العنصرية لا علاقة لها بالاسلام في نشأتها و تطورها .
و اما تصوير الاعتباطية و اللاموضوعية في الاختيارات الحاكمية و تصوير ان الحكم الاسلامي دكتاتوري امبراطوري فهذا من السخف في مكان ، و سوء التمثيل الصادر من   حكام الظلم و الجور لا يمكن تعميمه على الحاكم الاسلامي و الاسلام بريء من ذلك و اشباهه . فاما على مستوى النظرية فالقران و السنة ظاهر و قطعية في اعتبار العلم و الكفاءة في الادارة و اما في التطبيق فان التفويض ما كان الا للانسان السماوي المتمثل بالنبي و وصيه عليهما السلام ، و اما غيرهما فالامر شورى فيه و ليس لأي كان الانفراد و تحت اي ذريعة كانت . و الصورة التي اعطتها بعض السياسات و الحكام الاسلاميين الظالمين تحت اسماء مختلفة   كلها باطلة شرعا و لا صحة لها .
ان من الغريب ان يتحدث البعض عن الاسلام القائم على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و كأنه النظام الذي يأمر بالمنكر و ينهى عن المعروف ان هذا من الزور و البهتان ، و ان ظهور حالات سلبية في نظام الحكم باسم الاسلام لا يبرر هكذا تصوير و تزوير للحقائق ،  و ابتداع اسم ( الاسلام السياسي ) كحالة مشبوهة انما غايته تسقيط الاسلام و اضعافه في نفوس الناس ، انما النظرية الاسلامية نظرية فكرية سياسية اجتماعية حياتية عامة ترسم صورة نظام سليم و مسالم للانسان ، و تطبيقها الصحيح لا يؤدي الا الى دولة العدل و الرفاهية و ظهور حالات خاطئة تطبيقية لا يمكن ان تنسب للاسلام باسم مبتدع كاسلام سياسي .  ان الاسلام هو وجه الضمير  و وصوت العقل  و صورة العدالة الذي ينادي به الفكر اللاديني  ، فكيف يتطرق الطعن اليه ما لم يكن هنا خطأ في المعطيات او مغالطات منطقية في النتائج المحصلة .




تجليات العوامل و المعادلات التعبيرية في الشعر الصوري



 لقد بينا في مواضع سابقة ان التقسيم المعهود للكتابة الشعرية الى ما يكتب بالوزن و ما يكتب بغير الوزن ما عاد كافيا امام الزخم الهائل و الكثيف للشاعرية المعاصرة ، و توسع الفهم للغة الابداعية و تغير المعارف العامة باللغة و طبيعة استعمالها . و بعد الفهم العميق لتقنيات قصيدة النثر و الشكل الذي هي عليه في الاعمال الساعية نحو الشعر الكامل في النثر الكامل ، صار لزاما الالتفات الى ان الايقاع و الشعرية بالنثر اما ان تكون بصورة ( شعر سردي ) يعتمد تقنيات السرد التعبيري بشكل النثر اليومي ، او ان يكون بشكل ( الشعر الصوري ) يعتمد تقنيات الصورة الشعرية و التوزيع اللفظي الايقاعي بالتشطير و نحوه .
و لأجل هذه الحقيقة أي وجود شعر سردي و شعر صوري كان لزاما على النقد تقديم نظرية متكاملة تستطيع مجاراة هذا التطور وهذا الفهم و الواقع الجديد للشعر ، و لقد نجح النقد التعبيري و بأدواته الواقعية من تحقيق نهج مدرسي يعتمد الرسوخ المعرفي و قابلية التجريب مما يفتح الباب امام علم نقدي ادبي مختص بالتعبير الادبي الأبداعي .
أهم أدوات النقد التعبيري في تفسير الظاهرة الأدبية و جمالياتها و عناصر الأبداع في العمل هو نظام  ( المعادل التعبيري ) و الذي يتمثل بوحدات لغوية نصية بصور و اشكال مختلفة تحاكي و تعكس الجوهر الأدبي و الجمالي العميق الذي كشفه و لمسه المؤلف المتمثل ( بالعامل التعبيري ) و الذي يكون بأشكال مختلفة جمالية و معنوية و فكرية و غير ذلك ، الا انه لا يتجلى و لا ينكشف الا بواسطة المعادل التعبيري .
 ان عملية الابداع الجوهرية هي الاشراق الابداعي بالاطلاع و اقتناص و رؤية و تمييز العامل التعبيري الفني . و  مهمة المؤلف النصية  الاهم هي الكشف عن العامل التعبيري العميق   و اظهاره و ابرازه بمعادل تعبيري نصي . و العوامل  يجمعها تأثيرها العميق و اثارة الاستجابة الجمالية بتجليها النصي . ان هذا الفهم ضمن ادوات النقد التعبيري يتجاوز ثنائية الشكل و المضمون و ينتج نظاما نصيا تعبيريا موحدا بوجهين ، فكما ان الاستجابة الجمالية تثار بالمعادلات التعبيرية الشكلية الظاهرية  فانها ايضا تثار بالعوامل التعبيرية المضمونية العميقة ، و هذا يحقق تكامل الشكل و المضمون و التوافق بينهما بدل التضاد و التعارض بينهما الذي يعد معرفة شبه راسخة.
بعد أن صار الكتاب يكتبون السرد الشعري و القطعة الواحدة ،و القصيدة التي تكون بشكل النثر و فقراته ، صار في قابل الشعر الصوري المعهود نظام الشعر السردي المعتمد على السرد التعبيري بالسرد الممانع للسرد ، والسرد لا بقصد السرد بل بقصد الايحاء و الرمز . و لقد تناولنا مظاهر العوامل و المعادلات التعبيرية في الشعر السردي في مناسبات سابقة وهنا سنتناول مظاهر المعادلات و العوامل التعبيرية في الشعر الصوري كأدوات تحليلية و اجرائية للنقد التعبيري .
الشعر الصوري يعتمد  تقنيات خاصة و معروفة بمعادلات تعبيرية نصية و شكلية متداولة تتجلى بواسطتها عوامل تعبيرية عميقة  ، أهم تلك التقنيات هي الصورة الشعرية و الايقاع اللفظي بالتشطير و التقسيم و نحو ذلك .  وهنا سنتناول وفق منهج النقد الثيمي  نماذج شعرية تعتمد الصورة الشعرية و الايقاعات اللفظية و تقنياتهما كمعادلات تعبيرية لأنظمة  العوامل التعبيرية التي تتجلى بواسطتها .
يقول عادل قاسم
في بوح شفيف  وصور شعرية عالية
(خِلسَةً....
نَتَسَللُ خارجَ السِربِ
نُرَددُ نَشيَدَ.....
خَرافَتَنا.......
نحنُ المولعونَ...
باﻷقفالِ الحكيمةِ
وبالمفاتيحِ التي...
تَضحكُ من سباتِنا
كُلما خَرَجْنا.....
من كهوفِنا الفارهةْ )
ان النص يحقق بوحا عاليا بواسطة  عمق و نفوذ المعاني و بواسطة التوظيفات و الاستعارات التي توسع و تعظم طاقة اللغة بشكل واضح ، فما بين مجالات الدلالة للخلسة و الخروج و بين مجالات الخرافة و الوهم وقاموس السبات و الكهفية يتحقق مزاج ظاهر وقوي للنص يحضر القارئ اليه و يجعله يعيش اجواءه . ان النص يحقق غاياته الابداعية من جهة الفنية  باستعارات و مجازات فذة و من جهة الجمالية بلغة صادمة و مثيرة و من جهة الرسالية   بخطاب و بوح رفيع   . و بهذا التكامل الابداعي يحقق نموذج النص الكامل و الشعر الرسالة و القضية و نموذج الأدب الرفيع .
نَتَسَللُ خارجَ السِربِ
نُرَددُ نَشيَدَ.....
خَرافَتَنا.......
نحنُ المولعونَ...
باﻷقفالِ الحكيمةِ
وبالمفاتيحِ التي...
تَضحكُ من سباتِنا
كُلما خَرَجْنا.....
من كهوفِنا الفارهةْ

يقول هاني النواف
بمعادل تعبيري يتمثل بالرمزية التعبيرية في نص ( الشُّرفةُ الفارغة )
((
هَدهدةٌ على ماءِ الهَمسِ
تَمسح ُجنازةَ الكلامِ
تتلفَّعُ ضَراوةَ الهلعِ المُمضِّ
لعرائشِ الشُّرفةِ الفارغة..
 ان التعبيرية العميقة تتجلى في علو الانزياح و المجاز الذي تتصف بها الكلمات فهنا ( ماء الهمس ، جنازة الكلام ، حمرة النواح ،  حوائك النار ) . ان هذه التعبيرية المفهومية  تتجلى بالمجاز العالي المتجاوز لماهية الاشياء و فكرتها فهنا للهمس ماء و للكلام جنازة ، استعارات و مجاز يحتاج الى توسع في فهم الاشياء بفهم جديد للهمس و للكلام ،  مع توسيع لطلقات اللغة و نقل فذ للعواطف و الاحاسيس ، فماء الهمس اكبر طاقة من الهمس و جنازة الكلام اكبر طاقة منه .  
و تقول هالا الشعار
بنص دافق و معبأ بالعاطفة في قصيدتها (  برهة عشق)
(يا أيها الربان المجهدُ
أنا الشجرة زفير الأرض
تتوضأ الريح تفاحاً على غصني
وسط قافلة سراب
يشهقُ الترابُ جذري
أتكحّلُ خضار شمس صبح
تمررُ أشعتها ضفائر ضفائر
على وجَنات الثمار
لتوقظ الدفء
وتؤجج اللهيب )
ان  هذه الصور  الشعرية ، استطاعت ببناء مبحر في مستويات  خيال عالية ان تخلق عالما نصيا موازيا  ، وهو اقصى ما يمكن ان تحققه الشعرية الصورية ، حيث انه في واقعه حالة مستمرة من الصورة الشعرية المتعددة و المتجاور مما ينقل القارئ الى ذلك العالم و يجعله يعيش ذلك الخيال كعالم مستقل وهذه الحالة يمكن ان نسميها العالم او الواقع الموازي المحقق بلغة الشعر الصوري المستقيمة في قبال وقعنة الخيال  لغة الشعر السردي  المتموجة  . تكمن الطاقة التعبيرية في  نظام الصورة الشعرية المستمرة و العالم او الواقع النصي الموازي في ان التعبير هنا يكون كتليا و ليس جزئيا فقط ، فتكون الرسالة النصية محمولة وسط ذلك النظام النصي و ليس فقط وسط الكلمات و الجمل كما هو معهود في التعابير الابداعبة  .


و تقول حسنة اولهاشمي
بلغة تعبيرية في   (مَرَاكِبُ الْغُرْبَةِ)
(حُفَاة فِي دُرُوبِ الرُّوحِ
يَلُوحُونَ بِأَعْلاَمِ الشَّقَاءِ وَ وِشَاح الْهَزِيمَة
لِمَرَاكِبِ الْغُرْبَة
وَآخِر مَسَاءٍ يَعْبُرُ شِفَاهَ الحًلْمِ..
سَقَطَتْ خَارِطَة الْجَسَدِ سَهْواً
تَعَطَّلَتْ لُغَة الأَعْضَاء
وَغَفَا سِرُّ الإِشَارَة
تَلَعْثَمَ نَبْضُ الْقُرُنْفُلَة عَلَى صَدْرِ
ذَاكَ الْجَبَل الرِّيفِي
مَالَ سَاقهَا جِهَةَ النَّهْرِ الْقَدِيم
لَمْ يَعُدْ لِلْمَكَانِ رَائِحَة  )
من المعادلات التعبيرية المهمة و العالية  هي القاموس اللفظي للنص و المزاج العام للقصيدة ، لقد نجحت الشاعرة هنا في خلق مزاج النص و فضائه الكئيب و المعبأ بالحرمان و الفقدان بقاموس الفاظ تحضر ذلك المجال المعني و الدلالي (حُفَاة الشقاء ،  وِشَاح الْهَزِيمَة ..، سَقَطَتْ خَارِطَة الْجَسَدِ ، تَعَطَّلَتْ لُغَة الأَعْضَاء ، وَغَفَا سِرُّ الإِشَارَة ، تَلَعْثَمَ نَبْضُ الْقُرُنْفُلَة ، مَالَ سَاقهَا ، لَمْ يَعُدْ لِلْمَكَانِ رَائِحَة  ) . كما ان من العناصر الاسلوبية الاخرى التي تحقق نفوذا في النفس بكل هذه العاطفة و الاحساس هو استخدام الفاظ حميمية و مقربة ( دُرُوبِ الرُّوحِ ،   شِفَاهَ الحًلْمِ.. ،   خَارِطَة الْجَسَدِ ،  لُغَة الأَعْضَاء ،  صَدْرِ ذَاكَ الْجَبَل الرِّيفِي ، النَّهْرِ الْقَدِيم )  بصور شعرية كاشفة و مبرزة لعامل تعبيري وجداني و عاطفي وهذا ما يمكن ان نسميه العامل التعبيري الوجداني .

و يقول  اسماعيل عزيز
في ((أتساءل...كيف؟ )  بنص بوح رفيع يشتمل على الايقاع العميق

أيُّها البحر..
أيُّها....
أتساءل.....
أ لأننا ينابيع طافحة بالأخطاء
تحاصرنا الرياح 
محملة بغموض الصحارى..
فماذا لو..
غادر عن معجم الأرض
....................................
تقويم الفصول؟
وأستوطن الخريف بأزلية المكان
فكيف ستكون..
لعبة الأنشاء؟
والشهداء؟ )
 
 يبتدأ الشاعر كتابته بعنوان ( أتساءل... كيف )  بعنصر نصي مقرب وهو السؤال وهو من مجال الطلب ، ثم يبدأ النص بعنصر حميمي و مقرب وهو النداء ، و يوجه بوصلة النص نحو البوح و العاطفة ، و بالتساؤل  و البيان و الكشف الكامل يكون الاعتماد كبيرا على عمق الفكرة و لمعانها و على علو الصورة الشعرية و توهجها ، بتساؤلات و بوح رفيع يحقق معادلا تعبيريا صوريا لعمق و نظام عوامل تعبيري انساني و انتمائي و وجودي ، وهذا ما يمكن ان نسميه العامل التعبيري الفكري .

و يقول صلاح حسنية
 في ( سجادة نور )
تلاعبني الكلمات
تفرش لي سجاجيد الحروف
ثرثرة فم قواميس في أقاليم الورق
وعلى مداخل القلب
ستائر صوت تبعثرها غابات الندى .)
 بنص  تعبيري عميق يرتكز على الصورة الشعرية و البوح ، بنص من فن ( الميتاشعر) يسطر المشاعر و الانفعالات الذاتية تجاه الكتابة و الشعر ، و يكشف عن المعاني الشخصية للالفاظ و الحروف و الكتابة   . لقد حمّل الشاعر كلماته طاقات تعبيرية تفوق المعاني العادية لها ، فان الاستعارات هنا جاء بنظم مجازية تعبيرية واضحة  فعبارة ( تلاعبني الكلمات) كشف قوي و معبر عن الحالة التي يريد الشاعر الحديث عنها  و عبارة ( تفرش لي سجاجيد الحروف ) بيان راق لحالة الكتابة و عملية ولادة  النص . و من خلال تعبير ( أقاليم الورق ) و قواميس ينقل الشاعر و بكفاءة عالية القارئ الى مجال معنوي و فكري حول الكتابة و الابداع , بهذه الصورة الشعرية الفذة يتجلى عامل تعبيري عميق فكري و شعوري و خاص جدا يتعلق بالابداع و الكتابة .
 و تقول غيداء الحاج حسين
في تجربة شعرية عميقة في نص ( اختلاس )
(  تختلسين
بحة الصوت البعيد
لتقلقي هذا الفراغ الراكد
كحلكة ليل شتائي طويل
يتمترس في كل ركن
يعشش في الزوايا
و يستتب في التفاصيل الدقيقة
حياتك التي تمضي كعادتها
رتيبة )

لقد نجحت الشاعرة في تحقيق نظام ( البوح الاقصى ) ، اذ انها لم تترك عنصرا لفظيا و لغويا الا و وظفته في كشف و اظهار الشعور العميق ، بصور شعرية عالية  (تختلسين  \ بحة الصوت البعيد \ لتقلقي هذا الفراغ الراكد \ كحلكة ليل شتائي طويل ) لقد استطاعت الشاعرة من خلال تعابيرها و الوان كلماتها ان تحقق مزاجا للنص يخيم عليه  الركود ( تختلسين بحة الصوت البعيد \ لتقلقي هذا الفراغ الراكد \ حياتك التي تمضي كعادتها ) ، فتحققت صورة الرتابة التعبيرية ، ليأتي التصريح بها بتعاونية و اخلاص كتابي . بهذه الادب القريب تتجلى عوامل تعبيرية عميقة من تجربة فردية و حياتية و اجتماعية يومية .

مظاهر الضربة الشعورية في الأدب العذب






من الظاهر جدا ان القصيدة العربية تطورت في العقود الأخيرة تطورا كبيرا . و أصبح نظام النص شيئا عالي التقنية و الابهار ، بحيث صار من النادر العثور على كتابات تتخلى عن الاستخدام الايحائي و التقني للغة . اننا فعلا في عصر ( النص المثقف ) و الذي تكتب فيه النصوص وسط تراكمات و مرجعيات ثقافية و نقدية . لكن ظهرت بسبب تبني هذه التقنيات الفنية الاحترافية فجوة و ابتعاد عن مخيلة القارئ و حدود تخيله ، و صار هناك حاجز و حاجب بين النص و القارئ . لقد ادى التعالي الفني الى جفاء و فجوة بين القارئ و النص ، و مع ان كتابات ما بعد الحداثة تحاول جاهدة الاقتراب من القارئ الا ان الادب لا زال في قلاعه العالية و حصونه الكتابية المنيعة بجفاء مر و فجوة مخيبة مع القارئ و الناس .
ان تلك الحالة المتطورة من الوعي الكتابي و الذي يرجع الى عوامل كثيرة ترتبط بحقائق و ظواهر عالمية و ثقافية و اجتماعية ، صاحبها نظام و ارث من الفكر النقدي السلبي ، و الذي حرف بوصلة تلك القدرة و ادى الى سوء صياغة و انتاج للمخزون الادبي العربي ، فوجه الادب و القصيدة خصوصا الى جهات لا يجب ان تتجه نحوها .
ان غياب فكرة نقدية ناضجة تناسب الثراء الادبي للادباء و المبدعين ادى الى ظهور النقد المتخلف ، و النقد السلبي ، و صار من الجهل المركب وصف نص مابعد حداثوي بانه حداثوي بينما هو نص يكتب بتقنيات ما بعد الحداثة في السنة الخمسين على تجاوزه عصر الحداثة . لقد فشلت النظرية النقدية الحداثية في تقديم تفسيرات مقنعة و مثمرة لظاهرة الادب و الجمال و انحصرت و لاسباب كثيرة في التوظيفات الشكلية و البنائية السطحية ، حتى انه يمكن القول انها كانت من اساليب تجريد الادب من ادبيته و ابعاده عن الناس بحجج كثيرة انطلت على الوعي الجمعي و ادت الى خسارات كبيرة في غايات الادب و جوهره ، الى ان ظهرت في العقود الخمس الاخيرة افكار و فهم جديد للغة و النص و رسالته اجبرت النقد الحداثي الى الانصياع الى الحقيقة و الاتجاه نحو النص بدلا من جذبه و جره . كل ذلك الحراك ادى الى ظهور نقد مثمر و مفيد هو ( النقد الثيمي ) الذي يعتمد على تقنية كشف الثيمة و العنصر الادبي في مجموعة كتابات ، بدل من النقد القديم الذي يعتمد الاضاءة و تسليط الضوء على الكاتب . ان النقد الثيمي هو البوابة الواسعة نحو النقد المثمر الذي يفصل بين الكاتب و بين النص ، فالنص الثري المحقق لثيمة ادبية متطور يقدم على اي نص غيره وهذه من مظاهر العلمية و الموضوعية ، و ما عاد المجال ممكنا الى نقد الاضاءة و التكلف .
ان تلك التراكمات و الارث الثقيل لأدب الحداثة المتعالي لا يمكن تجاوزه بسهولة ، فصار الادب لا يفهم الا بالرمزية المتعالية و هذه خسارة كبيرة ، بحيث عدّ الاقتراب من الشعور و النفس شيئا مقللا من فنية الادب ، وهذا تصور ليس فقط خاطئا بل و خطيرا و ربما كان النقد سببا من اسباب استمرار هذا الحال المأساوي . و في ضوء الفهم التعبيري للادب و التمييز بين المعادل التعبيري و العامل التعبيري باعتبار الاول صورة و محاكات نصية للعامل التعبيري العميق تذلل الكثير من العقبات امام نظرية الادب بل و نظرية النقد و ارتفع الكثير من التناقضات المعهودة و التي قد تعد من الثوابت ، اذ بفهم ان هناك عاملا تعبيريا عميقا متعدد الاشكال من النفسية و الجمالية و الشعورية و الثقافية ، و الذي يعكسه المؤلف و يكشفه و يجليه بمعادل تعبيري نصي ، تنتهي فعلا مسألة الثنائيات التي قام عليها النقد القديم لعقود ،و ترتفع التناقضات المعهودة بين الشكل و المعنى و الظاهر و الجوهر ، و بدل النظام التعارضي التضادي يتحقق نظام توافقي تكاملي .
لقد ظهرت كتابات عذبة تجمع بين الفنية العالية و القرب من القارئ و النفوذ الى مكامنه الشعورية باعتماد ما نسميه اللغة القوية العذبة المعتمدة الضربة الشعورية في قبال التفنن التقني و الضربة الفنية . و لقد حققت كتابات السردية التعبيرية العذبة القريبة و لغتها المتموجة كسرا واضحا لهذا الجفاء و التعالي الأدبي . و سنورد هنا نماذج من اللغة العذبة المعتمدة على الضربة الشعورية التي تقترب من النفس اضافة الى كتابات سابقة قد تناولناها و بينا العناصر و الثيمات الفنية و الجمالية فيها ، وهنا سنتناول نصوصا من الادب العذب بالضربة الشعورية و النفوذ الى اعماق النفس مع اتصافه بالفنية الظاهرة و الشعرية العالية .

يقول نعمة حسون علوان
سأخبئ نصوصي هذه المرة في مكان ما
لا تصله يد احد من المارةِ
وامضي
فجسدي الذي فقدتُه هناك
في واحدة من تلك الحروب اللعينة
لم يعد يعنيني في شيء
ولا حتى اصبح يناسب مقاساتي
بعد ان نبتت لي اجنحة كثيرة
وحلقتُ بها بعيدا
عن هذه البرْكة الراكدةِ
من الالم
ما يلزمني فعلا من هذا المكان ...
هو ان تكوني معي
فقط انا
وانت يا صغيرتي
وما سيبقى عالقا في ذهنينا
من القصائدِ وكفى
من الواضح ان في النص كثيرا من العناصر الاسلوبية التي تقرّب النص من القارئ اهمها السرد الشعري و الخطاب و التعاونية و الاخلاص التعبيري ، كما ان هناك تقليلا من الجفاء اللغوي بالاتعاد عن الصور المتعالية و المجازات و الاستعارات المتعالية ، فنجد النص كتب بلغة قريبة و نافذة لا تقبل الا ان تخرق الشعور و تنفذ عميقا في النفس ، مع حفاظ النص على الخيال الشعري و اللغة الفنية العالية ، معطيا نموذجا من السردية التعبيرية و الشعر السردي الفذ . ان النفوذ الى العمق بمعادلات تعبيرية عالية تشير الى عمق العامل التعبيري ،وهذه صورة جلية معايرية و تقييمة للادب الحقيقي .

ويقول ميثاق الحلفي
حضائرُ العزاء
لَمْ تَكنْ اغفاءةً حينَ قذفكَ اليمُّ ياوطني. قْبلةً صباحيةً تَلَقَّفها أطفالُ الساحلِ ولَمْ تَكنْ عيناي الشاردتانِ ترمِقُ الاّ ما حمله السندبادُ..على جبينه المتشح بالشحوب. وتُجفف الرمال رسائلَ العشقِ اليكَ.
لَمْ اكذب عليكَ مُذ صغري. فَلِمَ كذبتَ عليّ ؟
وجعلتني اشكُّ بأنَّ (مارتن لوثر) كانَ ماسِكاً بسيفٍ من خشب. لَنْ استميحكَ العذر على خداعي وغشي وتضليلي بعدما انقض الدهرُ ظهري.
لِمَ جلبتَ الرصاصَ الى بيتي وأمي لَمْ تُدَجِّنُ الاّ العصافير لِمَ جلبتَ الى حضائرها العزاء

النص نموذج عال و رفيع للأدب العذب ، المعتمد على اللغة القوية و التموج التعبيري بين الاستعارات و المجاز العالي و التوصيلية و البوح الشفيف ، محققا نصا قريبا من القارئ مع فنية عالية بسرد تعبيري فذ ، بلغة حرة توظف تقنيات الدراما و الرسالة و الخطاب . لقد كتب النص بمعادلات تعبيرية فذة عاكسة و محاكية لعوامل تعبيرية عميقة ، مما يحقق نموذج الادب الحقيقي ، بالوصف المعياري و التقييمي .
و يقول رياض الفتلاوي
صباحٌ أحدب
***********
صباحٌ أحدب يتكئُ على ظلِ الزوال، رمالُ الصحراءِ...... مازالت تتنفسُ القيضَ، هناكَ في تلكَ الغابة المخملية، شجرةُ الأراك تندب فيأها، الذي سرقه الظلام، بتلكَ العتمة المسننة، بصقيعِ ذاكَ الشتاء القارص، وتلكَ السنون العجاف، التي... أرعبها تعبير يوسف، ها هي اليوم تخرج، من وادي السباع، تكادُ أن تُحّلقَ الغد، بمنجلها الأعمى، هناكَ ثورةٌ من.... الجرذانِ، تقرض الزمن، ورقاص الساعة مازال مسرعاً، ينتظر مائدة القسط، آلهة الصخب قيدت الهواء، بسلاسل... تعويذة آمون، حتى لا يستيقظ الربيع، وتتنفس تلك السنين... العجاف، عزيز مصر، ويحرر تلكَ العصافير من أقفاصها،
والصباح مازال أحدب، ينتظر من يبرأ الأكمه والأبرص، لعله يستقيم ولا يتكئ على ظل أحد ..............؟
النص بتوظيفاته الرمزية و استعاراته العالية يحقق فنية و جمالية و رسالية ادبية جلية ، و كذلك من خلال قضيته و بوحه و تعاونيته يقترب من القارئ و ينفذ في النفس و يضرب في مواطن الشعور العميقة ، محققا لغة عذبة و قوية معتمدة اسلوب السرد التعبيرية و التموج اللغوي بانظمة تراكيب انزياحية و توصيلية متناوبة . و من خلال المعادلات التعبيرية العالية الكاشفة عن عوامل تعبيرية عميقة يتحقق نظام الادب الحقيقي .
و يقول عامر الساعدي
سلحفاة
::::::::::::
في فروةِ رأسي سلحفاة
على شكلِ قبعةٍ
طاحونة تغازل الهواء
تبحثُ عن وقتِ مداعبتها
مطرٌ غزيرٌ
يهطلُ على تلةِ الصيف
والريحُ تعصفُ بأمواجِ البحر
كيف أعوم
وبداخلي بقعةِ زيتٍ
في معرضِ الالم لوحة صماء
أحتاج وقتاً
وقليلاً من موسم الربيع
قبل أن أنتعش مثل العصفور
فوق صدر الحقل
أذوب إن فاحت شهقة السنابل
لكني خارج الشريعة
مدججٌ بالاه وغضب السماء
فراغٌ شاسع وضوءٌ راكد
يخيمُ علي بصوتٍ صارخ
ما زالت أسئلتي تلوح حولي
والكثير من الحزنِ
بصيصِ أملاً تائهً بشفاهي
وثغرُ الارض واسع
قطعاً سوف ترفضني الارض
لانني بذرةٍ معفرة بالهمِ
فتحتُ صندوق ذكرياتي
وجدت عيناً فصرخت مرعوباً
وجدتُ عصافيرٌ بيضاء
تريد أيقاظ عتمة اوراق الخريف
خطوات مغمضة
قالت لي وداعاً
كأنها نفس سلحفاة رأسي
بقيت كما أنا
أعتصر النهار انتظاراً
منسيٌ على رفِ الذكريات

النص بصوره الشعرية الفذة ، و استعاراته العميقة ، كتب ايضا برمزية قريبة و بوح و نفوذ نفسي يحقق لغة قوية تقترب من النفس بقاموس لغوي يوجه بوصلة النص و بوحه فيحقق لغة قوية بشعرية عالية ملموسة و قريبة من القارئ بعذوبة و تعاونية واضحة . ان هذه الوحدات من المعادلات التعبيرية و بما تعكسه و تكشفه من عوامل تعبيرية فنية و جمالية يتحقق نظام ادبي حقيقي ورفيع بلغة عالية عذبة .

و يقول علاء الحمداني

(رغبات قش )
أنا كومة قش ،
تتناقلني الريح
لربما واحدة مني ، ستكسر ظهر البعير .
او سأجد بعضي طعاما"سائغا" لحيوان أليف ،
وﻷكون أكثر أنصافا" ،
ربما انا اﻷن أعصر في معدة خاوية الا مني ،
كأن تكون لطفل ، لم يرتكب ابواه فاحشة الوطن
أو لربما ،
فزاعة !
الهو مع العصافير الجائعة ،
تارة اتحرك فأثيرها
أو اتركها ،
تمزق صمت السنابل
لكنني مؤكدا" سأكون اكثر بريقا"أن أحرقوني !
فهناك عائلة عالقة على حدود الوجع
تطلب الدفء ،
بعد أن تقيأها البحر .

النص من أدب القضية و زاخر بالبوح و الرسالة ، بلغة عذبة قريبة تعتمد السرد التعبيرية ، و الدراما و الخطاب و التساؤلات القريبة ، و مبتعدة عن التعالي الفني ، مع محافظتها على الجودة الشعرية و الفنية العالية محققة نصا ينفذ الى اعماق النفس و يحقق ضربة شعورية فذة بلغة القوية . و من خلال تلك المعادلات التعبيرية الفنية التي تحاكي عوامل تعبيرية نافذة و عميقة يتحقق نظام ادبي حقيقي فذ .

من هنا يكون من الظاهر ان القرب من القارئ لا يحتاج الى تقليل من فنية الأدب ، بل ربما تحصل حالة تكامل كما بينا ان التوافق النثروشعري ممكن و حاصل بالسرد التعبيري و الشعر السردي ، فان التوافق بين الفنية و التعاونية و القرب من القارئ ايضا ممكن و حاصل بالشعر التعبيري .ان نصوص اللغة القوية ، المعتمدة على السرد التعبيري و ( الشعر السردي ) تحقق نموذجا في لنظام نصي بالغ التعقيد في عمقه و عذب و سهل في ظاهره و تلقيه وهنا تكمن عبقرية اللغة . كما انه بهذا الايجاز تظهر القدرة التقييمية و التقديرية للنقد التعبيري الثيمي الحر و تسقط احدى اهم الثقافات الواهمة للنقد الحداثي بانعدام قدرة النقد على التقييم وهو المخالف للوجدان و الواقع بل و للتطبيق من خلال الجوائز و المنافسات التي وجدت بوجود الادب و استمرت معه و ستبقي مستمرة ، و يتجه النقد نحو النصوص و العناصر الابداعية فيها من دون النظر الى اية جهة أخرى بخلاف النقد القديم الغارق في الاحكام المسبقة و نقد الاضاءة الغارق في الشخصنة .