علم الدلالة الأصولي ( (Usulic Semantics ) الحلقة الثانية (حقيقة وضع اللفظ للمعنى )



 الخلاصة


  ان الفهم العلاماتي لعلاقة اللفظ بالمعنى انما هو واحد من مجموعة من المدركات و التصورات الاصولية عن تلك العلاقة ، فبجانب الفهم العلاماتي الذي يكون الدال متميزا و موازيا للمدلول و لا يحقق حضورا للمعنى الا بواسطة الانتقال الى عالم المعنى ، فهناك الفهم التنزيلي التجسيدي الاتحادي الذي يكون اللفظة عبارة عن احضار مباشر حقيقي للمعنى الى عالم الاستعمال و التوصيل ، وهنا يتحد الدال و المدلول ، وهو فهم اخر للدلالة ، و ايضا هناك التصور الاسمي العنواني لعلاقة اللفظ بالمعنى بحيث يكون اللفظ اسما و عنوانا للمعنى ، و يكون حضورا مباشرا اعتباريا له في عالم الاستعمال و التوصيل ، و ايضا لدينا الفهم الوجهي المرآتي بحيث يكون اللفظ مرآتا للفظ وهو احضار مباشر انعكاسي لا يستوجب الانتقال . من هنا فان التصورات الاصولية بخصوص وضع اللفظ للمعنى اضافة الى افقها الواسع فانها  توجه اشكال حقيقيا للفهم السيميائي لعلاقة اللفظ بالمعنى المقتصر على الفهم العلاماتي   .


تمهيد

قال الحكيم ( حيث كان تشخيص الظهورات متفرعا على دلالة اللفظ على المعنى، كان المناسب التعرض لبعض المباحث اللغوية الدخلية في الدلالة والمناسبة لها مقدمة للكلام في هذا المقام، لمسيس الحاجة لذلك، ولا سيما بعد عدم استيفاء البحث عنها في العلوم الادبية، - الى ان قال-  من الظاهر أن دلالة اللفظ على المعنى تارة: تبتني على أداء اللفظ له بنفسه بحيث يكون قالبا له. واخرى: تبتني على قرينة خارجة عنه لمناسبة صححت ذلك عرفا. والاستعمال في الثاني مجازي أو نحوه مما قد يجري عليه أهل الاستعمال، وليس هو فعلا محل الكلام. أما في الاول فهو حقيقي، وهو متفرع على علاقة خاصة بين اللفظ والمعنى ونحو من الملازمة الذهنية بينهما، بحيث يكون اللفط قالبا للمعنى، ويكون سماعه موجبا للانتقال إليه، حتى يصح عرفا أن ينسب أحدهما للاخر، فيقال: هذا معنى اللفظ، وهذا اللفظ لهذا المعنى.  )

نفي الدلالة الذاتية
قال الصدر ( في كل لغة تقوم علاقات بين مجموعة من الالفاظ ومجموعة من المعاني، ويرتبط كل لفظ بمعنى خاص إرتباطا يجعلنا كلما تصورنا اللفظ إنتقل ذهننا فورا إلى تصور المعنى وهذا الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى وإنتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر هو ما نطلق عليه إسم " الدلالة " فحين نقول: " كلمة الماء تدل على السائل الخاص " نريد بذلك أن تصور كلمة الماء يؤدي إلى تصور ذلك السائل الخاص، ويسمى اللفظ " دالا " والمعنى " مدلولا " )
 وقال القمي (  لا ينبغي الريب - بعد التأمل القليل في كيفية حكاية الألفاظ المستعملة عن معانيها - في أن الألفاظ مرايا محضة لمعانيها، وتكون المعاني كأنها الملقاة الى المخاطب، والألفاظ مغفول عنها بالمرة إلا من حيث كونها أدوات تفهيم المعاني المقصود إلقاؤها، فدلالة الألفاظ على المعاني بهذه الكيفية. فهذا الربط الشديد بين اللفظ والمعنى نعبر عنه بأن اللفظ اسم للمعنى. ولا ينبغي الشك أيضا في أن هذا الربط إنما حصل عقيب وضع اللفظ للمعنى، بداهة أن احتمال دلالة الألفاظ بنفسها على معانيها مما لا يصلح الإلتفات إليها، بل إنما هي بالوضع. )
  و قال المظفر ( و لاشك ان دلالة الالفاظ على معانيها في أية لغة كانت ليست ذاتية ، كذاتية دلالة الدخان مثلا على وجود النار ، وان توهم ذلك بعضهم ، لان لازم هذا الزعم ان يشترك جميع البشر في هذه الدلالة ... وهذا واضح وعليه ، فليست دلالة الالفاظ على معانيها الا بالجعل والتخصيص من واضع تلك الالفاظ لمعانيها . ولذا تدخل الدلالة اللفظية هذه في الدلالة الوضعية )

في بيان حقيقة الوضع
و قيل في حقيقة وضع اللفظ للمعنى ثلاثة اقول رئيسية :-
الاول : انه حقيقة اعتبارية
الثاني : انه حقيقة تنزيلية
الثالث : انه حقيقة تعهدية
الاول :   الحقيقة الاعتبارية
  وهي الاقرب للوجدان و الظاهر من العرف في الوضع و ابرز اطراحاته ما يلي
الاولى :  الاسمية
قيل (حقيقة الوضع عبارة عن جعل اللفظ للمعنى وتعيينه للدلالة عليه ، وما يرى في كلمات المحققين من التعبير بالاختصاص او التعهد ، فهو من آثار الوضع ونتائجه ، لا نفسه واما ما اقيم ،عليه من البرهان من انه لايعقل جعل العلاقة بين امرين لاعلاقة بينهما وانما المعقول هو تعهد الواضع والتزامه بانه متى اراد افهام المعنى الفلانى تكلم بلفظ كذا ، فهو حق لو كان الوضع ايجاد العلاقة التكوينية ، واما على ما حققناه من انه تعيين اللفظ للمعنى فهو بمكان من الامكان . )
 و قال القمي ( ان حقيقة الوضع إنما هو جعل اللفظ اسما للمعنى ونتيجته: أن من علم بوضعه هذا يتبعه ويستعمل اللفظ اسما على المعنى. هذا هو حقيقة الوضع، وهو واضح لمن تأمل عمل نفسه عند تسميته ولده أو من فوض إليه تسميته. )  .
و في بيان سببية انتقال الذهن الى المعنى بمجرد سماع اللفظ قال الصدر ( أن علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقا لقانون عام من قوانين الذهن البشري. والقانون العام هو أن كل شيئين إذا إقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الانسان مرارا عديدة ولو على سبيل الصدفة قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سببا لانتقال الذهن إلى تصور الآخر.)


الثانية:  العلاماتية
قيل ان (للوضع نحوان من الوجود : الحقيقي كوضع العلم على رأس الفرسخ لينتقل من النظر إليه ، ان هذا رأس الفرسخ ، والاعتباري ، بمعنى ان الوضع يعتبر وضع لفظ خاص على معنى مخصوص . ) و  اشكل  صاحب الزبدة على ذلك   انه في باب الوضع الحقيقي لا دلالة حقيقية ، بل هي فيه ايضا تابعة للجعل والبناء فباب الوضع الخارجي اجنبي عن باب الدلالة ، وان كان قد يتصادقان في مورد واحد  وعليه فحقيقة الوضع ليست اعتبار مفهوم الوضع على حد الوضع الخارجي ، مع انه ينافى ذلك ما يصرح به القائل في مبحث استعمال اللفظ في اكثر من معنى ، من ان اللفظ ليس علامة للمعنى بل يكون وجودا تنزيليا للمعنى . و اضيف ايضا ان ( في الوضع الحقيقي ، المكان المخصوص موضوع عليه ، وكونه رأس الفرسخ ، موضوعا له ومدلولا ، وفي المقام الموضوع له والموضوع عليه شيء واحد )
و قيل  أن القائل به ( اي علاماتية الوضع)  لا يريد إلا التشبيه من حيث إن اللفظ أينما ومهما تحقق فهو كعلامة ينتقل منه الى المعنى، وليس التشبيه من الجهات الاخر. لكنه يرد عليه: أن الربط الموجود بين اللفظ والمعنى أشد من ربط العلائم المنصوبة بالمعنى الذي هي علائم عليه، فإن الألفاظ - كما عرفت - مجرد أدوات لا يلتفت إليها استقلالا بحيث يكون المتكلم كأنه يلقي المعاني ابتداء والمخاطب يتلقاها كذلك، فهذا الارتباط الأكيد أمر شديد لا مجال للتغافل عنه، بل حينئذ هو حقيقة دلالة الألفاظ على المعاني، وهو حصيل عمل الواضع وتسمية المعنى باللفظ.



الثاني :  الحقيقة التنزيلية

  ان الوضع (اعتبار كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى . فيكون وجود اللفظ وجود اللمعنى في عالم التنزيل . ) و اشكل عليه ان نتيجة الوضع ، الانتقال من اللفظ الى المعنى وكان المعنى هو الملقى الى المخاطب ويحكم عليه بما يشاء ، لا ترتيب آثار المعنى على
اللفظ كى يصح هذا التنزيل وان شئت قلت ان التنزيل الادعائي انما يكون بلحاظ ترتيب آثار المنزل عليه على المنزل ومن الواضح انه في باب الوضع ليس كذلك ، إذ الواضع لا يريد بالوضع ترتيب آثار المعنى على اللفظ .)


الثالث :  الحقيقة التعهدية
 بان حقيقة الوضع هو (التعهد بذكر اللفظ عند تعلق قصد المتكلم
بتفهيم المعنى وابزاره ، ويكون متعلق هذا الالتزام النفساني امرا اختياريا ، وهو المتكلم بلفظ مخصوص عند ارادة ابراز معنى خاص ، والارتباط لا حقيقة له ، وانما ينتزع من ذلك .) و اشكل عليه    ان التعهد المزبور ، ان كان راجعا الى النطق باللفظ الخاص الذى هو مرآة للمعنى الخاص عند ارادة ذلك ، فيرد عليه : ان ذلك يتوقف
على مرآتية اللفظ للمعنى في رتبة سابقة ، وهى يتوقف على الوضع وبعده يكون التعهد لغوا . و اجيب ان التعهد المزبور لا يتوقف على المرآتية الفعلية ، بل يتوقف على القابلية لذلك ، والمرآتية الفعلية ، انما تتحقق بنفس هذا التعهد ، وما يتوقف على المرآتية الفعلية
انما هو الاستعمال . و ايضا استشكل ان التعهد لابد وان يتعلق بامر اختياري ، فالواضع متعهد لاستعمال نفس اللفظ المخصوص عند ارادة معنى خاص ، واما استعمال غيره ، فلا يكون مما تعهده
الواضع . وعليه ، فالامر يدور بين الالتزام بان من وضع لفظا لمعنى خاص يكون بعد ذلك كل فرد من الافراد المستعملين له فيه واضعا مستقلا ، وبين يكون استعمال غيره مجازا وبغير الوضع ، وكلاهما كما ترى . فيستكشف من ذلك عدم تمامية ذلك .  و اجيب ان بناء العقلاء -لاحتياجهم الى ابراز مقاصدهم بالالفاظ - يكون على متابعة وضع من له الوضع في هذا التعهد ، وهم ايضا يتعهدون لذلك تبعا له ، فكل فرد من الافراد يكون متعهدا ، ولكن يستند الوضع الى الجاعل الاول ، لسبقه ، وصيرورة وضعه ، داعيا لوضع غيره . ويترتب على
ما ذكرناه ان كل مستعمل واضع حقيقة . ) اقول وهذا خلاف الوجدان بان كل مستعمل واضع . حيث قيل  عنه انه (يرجع الى تفسير الوضع بأنه تعهد من الواضع، بل ومن المستعملين بأنه وأنهم متى أرادوا تفهيم المعنى الكذائي تلفظوا بلفظ مخصوص، بل في ما نقل عن قائله: إن كلا من المستعملين واضعون  . ويكفي في رد هذا القول مراجعة الوجدان، فإن كل أحد يرى من نفسه أنه يجعل لفظ كذا اسما للمعنى الذي يسميه، من دون التفات بدوي الى الالتزام والتعهد المذكور، بل ربما كان الواضع ممن يعلم بأنه لا يستعمل - ولو مرة - هذا اللفظ في هذا الموضوع له .

و ايضا قيل انه  ربما يكون الواضع غافلا عن هذا التعهد كما يتفق ان يكون الواضع غير المستعمل بان يضع اللفظ لاجل ان يستعمله الغير.


ايضاح

اقول من خلال ما تقدم يتضح ان الفهم العلاماتي لعلاقة اللفظ بالمعنى انما هو واحد من مجموعة من المدركات و التصورات الاصولية عن تلك العلاقة ، فبجانب الفهم العلاماتي الذي يكون الدال متميزا و موازيا للمدلول و لا يحقق حضورا للمعنى الا بواسطة الانتقال الى عالم المعنى ، فهناك الفهم التنزيلي التجسيدي الاتحادي الذي يكون اللفظة عبارة عن احضار مباشر حقيقي للمعنى الى عالم الاستعمال و التوصيل ، وهنا يتحد الدال و المدلول ، وهو فهم اخر للدلالة ، و ايضا هناك التصور الاسمي العنواني لعلاقة اللفظ بالمعنى بحيث يكون اللفظ اسما و عنوانا للمعنى ، و يكون حضورا مباشرا اعتباريا له في عالم الاستعمال و التوصيل ، و ايضا لدينا الفهم الوجهي المرآتي بحيث يكون اللفظ مرآتا للفظ وهو احضار مباشر انعكاسي لا يستوجب الانتقال . من هنا فان التصورات الاصولية بخصوص وضع اللفظ للمعنى اضافة الى افقها الواسع فانها  توجه اشكال حقيقيا للفهم السيميائي لعلاقة اللفظ بالمعنى المقتصر على الفهم العلاماتي كما لا يخفى .

الشعر بين التقليلية و البوليفونية












في دراسات متعددة معمقة (1،2،3) بُيّن الفتح الجديد  في الشعر المكتوب باللغة الانكليزية على يد الشاعرة الامريكية اميل لويل (1874–1925 ) الحائزة على جائزة بولتزر عام 1926 (4)  باكتشافها النص البوليفوني في مجموعتها (قلعة كان كرانديس  (2018 ) ،  مما اعتبر تجديدا عميقا في الشعر المكتوب باللغة الانكليزية  باعتماد العمق الصوتي و اعتماد نظام الاوركسترا الصوتية و النثر البوليفوني (1،3)  وتنازل المنولوج الشعري عن عرشه، مما حدا البعض بتوجيه الاشكالات الى اطروحة ميخائيل باختين بحصر الحوارية و البوليفونية في الرواية ، وفكرته عن احادية الشعر ( 5،6)  حيث يقول اليزا ستنبي و تنتي كلابور   ان مصطلحات باختين البوليفونية  في الرواية تتعارض مع فكرته عن الشعر بانه عمل مونولوجي و انه يمثل فاشية الشاعر و الواعي الواحد ( 6) و ينقلان قول باختين (  في لغة الشعر ، حينما يبلغ الشاعر اسلوبه ، فانه يصبح فاشستيا و عقائديا و محافظا ، و يسحب نفسه من تاثير ما هو خارج الادب من صراع اجتماعي (7)   .
رغم ان اللغة التقليلية راسخة في عملية الكلام البشري الساعي نحو التكثيف و الاختزال  و الاقتصاد حتى ان العرب يفتخرون بالمعاني القصيرة في حجمها الكبيرة في مدلولها ، الا انها لم تستقر بشكل مذهب في الشعر  الا بعد انجازات ستيفن الشعرية (  ستيفن كرين  1871-1900) و الهايكو الياباني ( 8) .
و قد يتصوروجود ملازمة بين التقليلية و الصوت الواحد ، كما قد يتصور ذلك ايضا بخصوص التعبيرية  والتي تهتم كثيرا في طرح المادة الفنية معبأ بالاحاسيس الفردية و الرؤية الخاصة  للمؤلف تجاه العالم ( 9) كردة فعل على الانطباعية و الخشية من ضياع النفس و الروح الانسانية وسط مادية العالم الخارجي بتاكيدها على الذات و القيم (10)  . الا ان هذه التصورات لا واقع لها لان التقليلية و البوليفونية ما هي الا وسائل تعبيرية و ادوات نصية  ، و في مستوى اخر غير مستوى التعبيرية .
و من هنا  لا يظهر اي تضاد  بين البوليفنوية التي تعني تعدد الاصوات و الرؤى في النص و التقليلية و التي تعني التكثيف و الاختزال   ، بل ان التقليلية تضاد الطول في النص  و البوليفونية تضاد المنولوج في النص ،  نعم يكون من الصعب اداء النص البوليفوني بلغة تقليلية ، الا ان لدينا نص تقليلي لستفين كرين مشتمل على اكثر من صوت و رؤية  في قصيدة  ( في الصحراء ) :


في الصحراء 
رأيت مخلوقا
يجلس القرفصاء 
ممسكا قلبه بيديه
وهو يأكل به
قلت له ( هل هو طيب يا صديقي ؟ ( فاجابني ( انه مرّ مرّ )
لكنني أحبّه
لأنّه مرّ 
ولأنّه قلبي
و يتجلى ايضا تعدد الاصوات في قصيدة تقليلية حاكيت فيها قصيدة كرين هذه عنوانها اقنعة
( أقنعة )
لقد أخبرتني أمّي  أن أتسلّق الجبل باكرا
و حينما و صلت منتصف الطريق
وجدت رجلا  في كوخ و بين يديه سلال أقنعة بشعة .
قلت له لماذا أنت هنا ؟ و لمن هذه الأقنعة .
قال لقد طردني القبح من مدينتكم
و هذا الأقنعة ابعث بها الى كل جميل
ليرتديها فلا يطرد منها مثلي .

و بهذا يتضح و بجلاء  ان التقليلية و البوليفنوية هي مظاهر اسلوبية و تقنيات تعبيرية ، بمعنى اخر انها تقع في مستوى اخر مغاير لمستوى التعبيرية و قصد المؤلف و فكرته العميقة و نقله احساسه و نظرته تجاه العالم  ، و مغاير لمستوى رؤيته للاشياء ، لذلك فان كل منهما انما هو وسيلة تعبيرية و مظهر تعبيري ، فيمكن للشاعر التعبيري نقل احساسه بالاشياء عن طريق نص تقليلي او عن طريق نص بوليفوني متعدد الاصوات .  
هناك امر  اكثر جوهرية ، اذ بينما تكون التقليلية دائما في موضع تعبيري و ايحائي و رمزي متميز   مما يضمن شعريتها ، فان البوليفنوية و بفعل تعدد الشخوص و الرؤي   ستكون قصا و حكاية لا اكثر  ان لم تشتمل على بعد تعبيري ، و سيفشل السرد البوليفنوي في تحقيق الشعرية ان لم ينطوي على بعد تعبيري يلبسه ثوب الرمزية و الايحاء . من هنا يظهر و بوضوح ان التعبيرية ليست شيئا ممكنا مع البوليفونية  فحسب و انما ضرورة لتحقيق السردية التعبيرية في قصيدة النثر .
 
المصادر

1-            John Gould ,  Fletcher ,  Miss Lowell's Discovery: Polyphonic Prose , Poetry , Vol. 6, No. 1 (Apr., 1915), pp. 32-36
Published by: 

2-            Amy Lowell  1874–1925 biography  , poetry foundation

3-             Georgina Taylor H.D. and the Public Sphere of Modernist Women Writers 1913-1946: Talking Women , oxfordpress

4-             Wikipedia   . Amy Lawrence Lowell was an American poet of the imagist school from Brookline, Massachusetts, who posthumously won the Pulitzer Prize for Poetry in 1926.
5-              by Liisa Steinby, Tintti Klapur  ,   Bakhtin and his Others: (Inter)subjectivity, Chronotope, Dialogism , Anthem Press
6-              Michael Eskin and Jerry , Bakhtin on Poetry , poetic todays .
7-                The Problem of Bakhtinian Terminology and Poetry  (   The language of poetic genres, when they approach their stylistic limit, often becomes authoritarian, dogmatic and conservative, sealing itself off from the influence of extraliterary social dialects. Therefore such ideas as a special ‘poetic language’, a ‘language of the gods’, a ‘priestly language of poetry’ and so forth could flourish on poetic soil.(Bakhtin 1981, 273)
8-            Wikipedia ,  Literary minimalism  
9-            Art movement , expressionism
10-         Art story  , Expressionism

مقدمة في النقد التعبيري









رغم ان علماء اصول الفقه كان لهم السبق في دراسة العلامة و دلالتها الا ان البروز و الظهور كان للغوين الغربيين في ترسيخ علم العلامات  ، و مع ان السيميائية اشارت الى محورية العلامة و الدلالة في تحليل الرسالة و النص   الا انها بتركيزها على المعنى كمدلول  لم تقدم نظرة متقدمة في علم الجمال ، و اخفقت كثيرا في الاجابة عن السؤال المحوري في النقد الفني و الجمالي الملخص في عبارة ( لماذا هذا العمل او النص جميل او مدهش ؟)  و الامر الاخر الذي لم تتلمس السيميائية غايتها فيه انها نقلت مجال التحليل كله الى عقل المتلقي ، و صارت الدلالة التي عند القارئ و المتلقي هي الحاكم و المشخص و هي بذلك تخفق في رؤية موطن الابداع الحقيقي المتمثل بالنص . و لقد حاولت الاسلوبية التخفيف من هذا الطغيان فاشارات الى مجال دلالة اكثر نوعية و عمومية   و كذلك حاولت التقليل من سلطة المعنى و الاتجاه الى مجال مدلولي اوسع   . لقد حققت الاسلوبية نجاحا ملحوظا  من خلال تشخيصها و معالجتها لاخفاقات المناهج السيمائية النقدية  و خصوصا البنيوية و التفكيكية   ، الا انه اضافة الى عدم تقديمها  افكارا نظرية  او اجرائية في النقد الادبي  فانها ايضا عانت من شكل من التطرف في طغيان الشكلانية و النصانية فيها بيناه في مقالات سابقة اهما مقالنا الاسلوبية و ما بعد الاسلوبية .
من خلال الانطلاق من السؤال الاهم في النقد  الادبي وهو ( لماذا هذه النص مدهش ؟)  ، فان المناهج السيميائية و الاسلوبية و رغم تقديمها افكارا اكثر علمية في هذا المجال ، الا انها و لحقيقة كونها نظريات عامة و شاملة في المعارف الانسانية  و انها غير مختصة بالفن و الابداع بل تسعى نحو ترسيخ العلمية ، و لما بيناه ايضا فيما تقدم فانها  تعاني من الاشكالات   ، و من هنا و بالاستفادة من الموروث النقدي لتلك المناهج الواسعة ، تحققت لدينا رؤية خاصة و دقيقة بخصوص العنصر الاساسي الذي يميز النص الادبي عن غيره ، انها القدرة التعبيرية ، حيث يكون لكل وحدة تركيبية نصية  فعل تعبيري مميز يميزها عن وجودها العادي .
ان النقد التعبيري اضافة الى كون فكرته تنطلق من رحم الابداع الفني و الادبي و تهتم بالظاهرة الجمالية  شخص الخلل الذي عانت منه المناهج المتقدمة ،  و التي اضافة الى ما تقدم فانها اعطت محورية طاغية للمعنى كمدلول ، و الحقيقة ان ما يحقق جمالية الادب ليس المعنى و انما دلالة وعلاماتية الوحدة الادبية على الظاهرة الجمالية ، بمعنى آخر ان المدلول الجمالي للعلامة الادبية  لا يكون في المعنى و انما يكون في النظام الجمالي الانساني الذي يثر و يدهش . وهنا تكمن ابداعية الادب ، حيث ان القارئ للادب لا يبحث في قراءته له عن مدلول معنوي بالقدر الذي يبحث عن مدلول جمالي يثير .
ان المدلول الجمالي و الذي تلمسنا اشكاله و صوره في مقالاتنا النقدية المتعددة ، يحقق طيفا واسعا و تنوعا كبيرا من الوجود و الطبائع ، فقد يكون شكليا و قد يكون معنويا و قد يكون شعوريا ، و قد يكون في جهة المؤلف او القارئ او النص  وهكذا كثير .
من هنا يظهر بجلاء ان القراءة التعبيرية  للتعبير الادبي ليس بحثا عن معنى او عن شعور ، و انما عن نظام جمالي قد يكون معنويا كما بينا في مقالاتنا السابقة في نظام الانثيال و تجلي اللغة و قد يكون انسانيا كما بينا في قصدية المؤلف و رساليته و قد يكون نصيا كما بينا في تعبيرية التراكيب و قاموس الالفاظ و عنوان النص و نحو ذلك و قد يكون في جهة القارئ بما بيناه في القراءة التعبيرية ، و وسط كل ذلك لا يكون دال و لا علامة على ذلك غير الوحدة النصية .
الوحدة النصية اللفظية او الاسنادية او الجملية او الفقراتية او النصية كلها يمكن ان تكون دوال جمالية ، تدل على المدلولات الجمالية . ان فكرة الدلالة الجمالية بالدال الجمالي و المدلول الجمالي تفتح افقا واسعا وجديدا حقا ليس امام الناقد فقط بل اما القارئ و المؤلف و النص نفسه .













النص فوق النص ، نقد ناظم ناصر القريشي نموذجا




لقد برزت دعوات عالمية لأن تكون الكتابة النقدية كتابة ابداعية اضافة الى معرفيتها و دليلتها . و قد يعتقد ان ذلك يشتمل على تناقض لانّ اللغة الابداعية خيالية شعرية و اللغة المعرفية تقريرية ،  الا انّ الحق ان تلك الدعوة لا تشتمل على تناقض  و انما تشتمل على صعوبة و تحتاج الى مهارة و لقد اثبت ذلك نقد ناظم ناصر القريشي  بلغته القريبة و العذبة الكاشفة عن جماليات النص في جهات متعددة بحرفية و هدوء . انه  نقد بالقدر الذي يتسم بالبساطة و القرب و العذوبة فانه ايضا يسعى حثيثا لكشف جماليات النص باحترافية.

ان المقالات النقدية من حيث مراعاتها للقارئ   يمكن تقسيمها الى ثلاثة اشكال : النقد القريب و النقد المتعالي و النقد التكلّفي الافتعالي  . يتميز الاخير باقحام المصطلحات الحرفية الغربية و التوليدية و التركيبة من غير مسوغ او ضرورة ، و يتميز النقد المتعالي بتعقيد التراكيب و علو المصطلح و اللغة الاختصاصية البحتة التي لا شأن للقارئ بها ، و لا ريب ان كل ذلك يعاني من اهمال عميق للقارئ و قصور تداولي حاد ،  و ربما يمكن ارجاع ابتعاد القارئ  عن الادب بسبب هذا الطرح المتعالي الذي اتسمت به كتابات عصر الحداثة . و من الواضح انه مع وجود دعوات ما بعد حداثوية في الكتابة بلغة قريبة تراعي القارئ فان النقد المتعالي يعد ادبا متخلفا الان و هو من مخلفات نقد الحداثة و لا يواكب افكار ما بعد الحداثة تلك عن الكتابة و القارئ   .
ان اهم ما يحققه النقد القريب هو ارجاع القارئ   الى الادب وهذا من اهم مهام و اهداف ادب ما بعد الحداثة ، و لا علاقة ابدا بين المدرسة النقدية و بين اسلوب الكتابة النقدية ، فقد تتبني تقنيات الاسلوبية و ما بعد الاسلوبية وهي احدث التقنيات النقدية و اكثرها تعقيدا فكريا ، و تطرح بلغة قريبة واضحة خالية من التعالي و التعقيد .
ان اللغة القريبة المميزة لنقد ناظم ناصر المحقق لاهدافه يعد منهجا متفردا و ابداعا فذا ، يدعونا و بقوة الى مراجعة القاموس الكتابي الذي تعج به المقالات النقدية العربية و التي رغم مادتها المعرفية الا انها تفشل في طمر الهوة بين الكاتب و القارئ   ، و تخفق في تحقيق الادب الممتع .
الميزة الاخرى المهمة لنقد ناظم ناصر انه يكتب مقالا نقديا ابداعيا بجانب النص الاصلي و ربما هذا عائد في بعض جوانبه الى شاعرية ناظم ناصر و كونه يكتب الشعر الهامس العذب .
حينما يقرأ الانسان  نقدا لناظم ناصر  فانه يتمتع  بالنقد بالقدر الذي يتمتع فيه بالنص الذي ينقد  ، وهذا انجاز مهم ، و هل اهداف الكتابة الا الامتاع و توسيع افكار القارئ ،   و قد حققها ناظم ناصر بكتاباته النقدية  العذبة الفنية الابداعية .



أصوات















أنا فلاح قديم ، لا أرى صورتي الا على وجه الماء ، هناك في ساقيتنا الحبيبة. لقد كانت صغيرة بقدر حلمي البريء ، تحدثني عن وجه آخر للشمس ، حينها كنت طفلا أذوب في ألوان الفراشات ، و أعد اغصان الريح برفق . يا للصفاء الذي سرقوه ، لقد أخذوا غصن زيتونتنا الناعم ، صنعوا منه قذيفة و موتا ، ثم أخبروني أنني مجرم خطير أزرع الزيتون .

أجل ، هكذا بلا كلل سأردّد أغنيات الطيور ، انظر هل ترى في حكاياتها وهما ؟ لن آبه لوجه العالم الوقح ، لقد ملأوا الفضاء كذبا ، قالوا : لنا اقدام نحاسية ، انظر هل ترى هناك شيئا غير الخواء ؟ ، يا للمدنية العوراء .

متى تتعلمين صوت الزهر؟ ها أنا اسمعه يردد : لن تجد الريح الموحشة مكانا في مساماتي ، فأنا طائر حرّ ، أعشق رائحة الطين و أحبّ أن تلفح شمس الظهيرة وجهي ، ربما لأن أبي زرعني مع حبّة قمح في بستاننا الصغير .



* قصيدة متعددة الاصوات ؛ شعر بوليفوني


البوليفونية التعبيرية ، ( البركة الجريحة ) نوذجا









( البركة الجريحة )
د أنور غني الموسوي


ظلّ انا و مرآة شاحبة ، أنثر ألمه المرّ في كلمات غريبة ، ذلك النحيل الذي تدمي الصخور ركبتيه ، لقد اعتاد السير عليهما نحو البركة الجريحة .    في الطريق تلقاه الأعمدة الحجرية القديمة ، تحدّثه عن الذين مرّوا من هناك ، و ايضا عن الارواح التي ملأت أعماق البركة بالنداء و الأغنيات الشجيّة  ، و عن صندوقها الخشبي ، الذي تخرجه كل مساء و بحبرها الاحمر تدوّن جراحها ، ما فعلته أيدي أبنائها الغالين .
لقد كان ذلك النحيل كثير الابتسام ، لا يهتّم كثرا للنزيف اليومي من قلبه و ركبيه ، لا يريد أن يتوسّل عطف العالم الواسع  و لا كلماته الحماسية . ليتك تراه و انت تطلّ من تلك التلّة على  كذب العيون الباردة ، تقول في نفسك  : يا لشعره الأشعث ، يا لثيابه  الرثة ، ايها القارئ يا أنا ، متى ترى جراح ركبتيه و قلبه اليائس ؟


·                      البوليفونية  (polyphonic ) مصطلح ابتكره باختين في الادب ،  اساسا لمعالجة العمل الروائي استقاه من فن الموسيقى ،  و اساسها تعدد الاصوات المتجلية في النص .  عند التعمّق نجد ان للبوليفونية بعدين في النص ، بعد رؤيوي و بعد اسلوبي ، البعد الرؤيوي يدعو الى تحرير النص من رؤية المؤلف و سلطته فتتعدد الرؤى و الافكار و الايدولوجيات و تطرح بشكل حر و حيادي ، اما البعد الاسلوبي فيتمثل بتعدد اساليب التعبير و الشخوص  بل حتى الاجناس الادبية في النص الواحد .
من الواضح ان الفهم البوليفوني للنص يماشي عصر العولمة و ما بعد الحداثة و الدعوة الى الحريات الواسعة و الديمقراطيات الشعبية ، فيكون النص انعكاسا لهذا الجو و الفكر السائد . و قد يعتقد ان الاسلوب البوليفوني يتعارض مع التعبيرية التي تعكس الفهم العميق للمؤلف للاشياء و رؤيته المتميزة تجاه العالم ، وهذا لا يتناسب مع الحيادية الرؤيوية و تعددها ، الا انه يمكن فهم الكتابة على مستويين مستوى بنائي و مستوى قصدي ، فتكون البوليفونية و تعدد الاصوات و الرؤى في مستوى البناء  محققا شكلا ثلاثي الابعاد ، بينما تكون رؤية المؤلف الخفية التعبيرية في مستوى القصد تتجسد بشكل عالم ايحائي و رمزي لكلمات النص و بناءاته و رؤاه و اصواته المتعددة . 
هذا و من الظاهر ان البوليفونية تحتاج الى حد ما الى السرد ، وهذا يعني انه في الشعر يكون من خصائص السردية التعبيرية لقصيدة ما بعد الحداثة ، و لا تناسب كثيرا الشعر التصويري للقصيدة الحرة .كما ان تعدد الاصوات و الرؤى  كما انه يمكن ان يتحقق بتعدد الشخوص و تعابريهم ، فانه يمكن ان يتحقق باسلوب تداخل الاصوات ، بان تطرح رؤية الغير على لسان المتكلم او ان يعطى نعت يناسب رؤية الاخر و ليس المتكلم . فمثلا في قصيد الموت و الحياة الطويلة  للدكتور انور غني الموسوي مقطع جاء فيه
( ليس لي ألا أن أحتضر . و ليس للحضارة الغالية ألا أن تسأم كل قطرة صفراء في المحيط . للشمس إشراقة تجعل الشجر قصائد ساكنة لا تعرف شيئا عن الخلود . هكذا تكذب الحضارة ، تتكاثر في أوردة غادرتها الاجراس ،تتمدد شارعا قديما ، أثلجه قلّة السائرين .)

 بينما  يكثر انور غني في تلك القصيدة  من وصف الحضارة بالميتة و الغاربة نجده يصفها هنا بالغالية ( و ليس للحضارة الغالية ألا أن تسأم كل قطرة صفراء في المحيط .)
و لا ريب ان الحضارة ليست غالية عنده و انما غالية عند الاخر ، و بهذا تجلى صوت الاخر و رؤيته بكلام المتكلم و تعبيره وها تداخل صوتي تم بشخصية واحدة .
ثم يقول
( للشمس إشراقة تجعل الشجر قصائد ساكنة لا تعرف شيئا عن الخلود .)في النظر النوعي الذي تتبناه كل ذات يحب الاشراق و النور ، و انما هذه نظرة من لا يرغب بالنور و الحرية  اي انه صوت الاخر الا انه جاء بلسان المؤلف  ، و الذي  يصرح بعد ذلك ان هذا القول هو قول الحضارة الكاذبة  و مريديها ( هكذا تكذب الحضارة )  
وهنا في نص ( البركة الجريحة ) ايضا يستخدم التداخل الصوتي في عبارة (ما فعلته أيدي أبنائها الغالين . ) اذ لا ريب ان النظرة النوعية و منها نظرة المؤلف الى هؤلاء الابناء الذين يجرحون امهم انهم قساة و خطاؤون  ، لكنه عبّر بصفة ( الغالين ) وهذا يعكس نظرة البركة الأم التي تحنّ على أولادها رغم قسوتهم و خطأهم . و كذلك في عبارة (ايها القارئ يا أنا ، متى ترى جراح ركبتيه و قلبه اليائس ؟ ) فان الذات لا ترى نفسها هكذا و انما هذا صوت الاخر النوعي الذي يلوم ( انا ) المتكلم و القارئ ، فيكون  تجلّ لرؤية الاخر بلسان المتكلم وهذا تعدد صوتي طرح بشخصية واحدة فيكون تداخلا صوتيا .
  من شعورنا العميق بان ابعاد البوليفونية عن التعبيرية يحقق خسارة فنية فانا نحاول طرح فكرة الجمع بين ضدين بين تعدد الرؤى الظاهري و وحدة الرؤية العميقة وهذا التوحيد هو جمع بين متضادين و هو توتري و مفيد لقصيدة النثر ، تنطلق من ادراك ان البوليفونية خاصية سردية اسلوبية ، بينما التعبيرية فهي فهم و ادراك عميق للادب و الشعر و الاشياء ، لها مظاهر اسلوبية منها السردية التعبيرية و التي منها البلويفونية التعبيرية .