نسيم










  فوق وريقات هذا القلب ِ عيونٌ  بطعم اللّوز .   تنحني نحو بغداد ، نحو آهاتٍ غطّىت جفونَها شجرة تغنّي  وسط الظهيرةَ اللذيذة  : ستعود حكاياتُ جدّتي .





* نص تقليلي 

نحو إسلام بلا مذاهب الحلقة الرابعة ( ردّ القطعي الى الظنّي و تفكيك الأخبار )







بعد ان اوضحنا ان الاصح هو اتباع المنهج المتني في قبول الاخبار بقبول المصدق منها أي ما يصدقه القرآن و السنة القطعية و رد ما يخالفهما من الاخبار مهما كانت درجة سنده او طبيعة طريق نقله ، لقاعدة عدم التناقض في الخطاب الديني و التعاليم الدينية  كما يقول تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) وهو الذي يدل عليه العقل لان الشرع نظام دستوري له روح و أركان و مقاصد لا يصح ما يخالفها من نقل  مهما كان طريقه .
ولأجل غاية رفع التناقض و لحقيقة وجود نقل غير صحيح فان السبيل الى ذلك  هو رد الظني و المتشابه من النصوص الى القطعي المحكم  منها بعد  وضوح فشل  و قصور الطرق الاخرى لتحقيق هذه الغاية و منها المنهج السندي و الذي ولد اعتقادات خطيرة و بعيدة عن روح الاسلام كما هو معلوم للكثيرين  .
  عملية رد الظني الى القطعي موافقة و هي من صلب التصديق و الايمان لانها رفع للشك باليقين ، حيث اننا هنا نرد الظني الحامل بالشك الى القطعي الحامل باليقين ، و بهذا الوصل و السبب يرتفع الشك من الظني و يصير بتبعيته و مصدقية القطعي له من فروع اليقين ، فيمكن ان نسمي الاول أي القطعي باليقين الاصلي الاولي و الثاني أي الظن المصدق  باليقين الفرعي الثانوي  .
منهج التقييم المتني ليس فقط يرفع التناقض بين الاخبار و انما له القدرة على رفع الاختلاف بين المسلمين  وهذه هي الغاية العليا ، كما انه يمهد الطريق نحو اسلام بلا مذاهب بوصايا و معارف  مصدقة يصدق بعضها بعضا .
من الواضح ان المضمون الذي يحمله الخبر  بحسب التقييم المتني و قاعدة رد الظني الى القطعي اما ان يكون مصدقا فيقبل او شاذ فيرد  . و لأجل ورود حالة الدسّ و التحريف في النقل كما ان عملية الوضع واردة ، و لامكانية تعدد المضامين فان حالة اختلاف احوال مضامين متعددة في خير واحد واردة أي انه يمكن ان يكون الخبر الواحد يشتمل على مضامين متعددة تختلف في درجتها و قيمتها المتنية ، فيمكن ان يكون بعضها مصدقا و بعضها شاذا و هذا وارد جدا بل و واضح الوقوع ، لذلك يكون جائزا جدا تفكيك الخبر متعدد المضامين و معاملة كل مضمون منها على حدة و الاخذ و العمل بالمصدق و رد الشاذ منها .
ان ضرورة عملية التفكيك في الاخبار التي يفرضها العقل و الواقع تكشف الى حد بعيد الخلل الواضح في المنهج السندي الذي يتبنى نظرية القبول الكامل او الرفض الكامل لكل خير ، بحيث لا يمكن استثناء أي خبر من هذا القبول او الرفض الشمولي ، بينما التقييم المتني و الاقرار بضرورة تفكيك الخبر  متعدد المضامين  يتسم بواقعية و حقيقية  و موضوعية . كما في عملية تمحيص المضامين و تمييزها و فصلها عن بعضها تربية اخلاقية في النظرة الى الخارج ، بتقبل الجيد منه و رد السيء   حتى لو اجتمعا في موضع واحد ، و بهذا يرتفع التقييم و الحكم عن الشخصنة و يصبح اكثر عملية كما انه سيكون متصفا بالانفتاح و مبتعدا عن الشمولية و الراديكالية التي تعاني منها بعض المدارس الشمولية البعيدة عن روح الاسلام .
ان هذا الانفتاح العلمي سيعمل على بثّ تربية الانفتاح على الاخر و القبول بالاخر ، كما انه سيعمل على نبذ الشمولية و الاحكام المسبقة و ادعاء المعرفة بحقيقة الآخر و وضعه الانساني و الديني ، و يربي الانسان على روح التعايش و قبول الاخر و التجاوز عن زلاته و اشاعة روح التسامح  .
ان اهم ما يقلل من القدرة العملية و تحرير طاقة البعض ليس الانغلاق في التعاليم بل الانغلاق في انفسهم  و منهجهم التعليمي .  ان الاسقاطات التي تحصل بفعل التربية و ما يعتقد انه من الدين و العلم  يؤدي بالنهاية الى انسان منغلق لا يتقبل الآخر و لا يتقبل العلم الذي عند الآخر ، فتجده معبأ بالادعائية و الفوقية و الطبقية و التي تمنعه من قبول الآخر و ما لديه من علم و نقل  صحيح و وصايا حقة و يمنعه من التعايش معه و التوافق معه فتتحقق الخسارات المريرة .
القد اشاعت الشمولية الاكاديمية و التعليمية في بعض المدارس و المناهج الدينية و منها المدرسة السندية  روح الانغلاق و رفض الآخر و تسببت في خلق هذا الانسان المنغلق  و خرّبت النسيج الاجتماعي بسبب ما ادت اليه من تربية شمولية و نهايات حكمية  غير واقعية . و على اصحاب الرأي   اذا ما ارادوا لاهل هذا الدين ان يعيشوا بروح  الوحدة و الوفاق نبذ  تلك المنهجية الشمولية و منها الشمولية العلمية و النقلية  و اشاعة روح التعايش و الانفتاح و قبول الآخر وما لديه من علم و نقل .
 




النص التجريدي ، الفكرة و النموذج





التجريدية في التعبير و اللغة هو استعمال اللغة في نقل الاحساس و الشعور و ليس الحكاية ، فتتخلى الالفاظ عن وظيفة نقل المعنى الى نقل الاحساس المصاحب له كمركز للتعبير ، فيرى القارئ الاحاسيس و المشاعر المنقولة اكثر مما يرى المعاني .اذن التجريدية في اللغة هي النزوع نحو التخّلي عن طريقية الالفاظ الى المعنى  و لامرآتية الوحدات الكلامية ، و بلوغ التعبيرية في التراكيب الجملية  و النصية حالة  نقل الاحساس و المعادل  الشعوري للمدلول ،   فتكون اللغة شكلُ الفكرة لا انها الحاكية عنها ، لذلك لا يكون للحكاية و التشخص و الكيانية مركزية فيها ، بل البناءات التي تبعث في نفس القارئ التأثير الشعوري و الاحساسي و الحكاية غير المباشرة ، بمعنى ان التراكيب ليست من يحكي و انما القراءة هي التي تحكي و لا تحكي معان و انما أحاسيس .
و انطلاقا  من فكرة انّ الابداع اللغوي و خصوصا الشعر لا يتجه بالأساس نحو البناء المعرفي  و المفاهيم ، و انّ محور الابداع هو عالم المعنى و الشعور و الاحساس  ، فاننا يمكن فهم اللغة التجريدية بانها اتجاه عميق نحو صور خالصة و مجردة وكلية  لموضوعات الادب و عوالم  الجمال و الشعور و الاحساس و المعنى ، التي تعصف بنفس الشاعر و تلهمه ، و تختلف هذه التعبيرية بشكل واضح عما يتجه نحو الجزئي من تجرية و جماليات و موضوعات قريبة  ، و ينعكس ذلك بشكل ملحوظ على لغة التعبير لان خصوصية الموضوع لها تأثيرها الحاسم في شكل اللغة التي تتحدث عنه ، فبينما  الجلاء و الوضوح و القرب و الاحتفاء و المجاز التعبيري وحتى الرمزية الموظفة من سمات اللغة المعبرة عن التصورات الجزئية لموضوعات الابداع و الجمال الجزئية  بلغة تعبيرية جزئية تشخصية  ، فان التجسيد الخالص ، و التصورات الكلية و  الرمزية   المبتكرة و التحليق الحر و العمق البعيد من سمات اللغة التي تتجسد فيها  التصورات الكلية لموضوعات الابداع و الجمال الكلية  بلغة تعبيرية كلية تجريدية .
لا بد من القول و بشكل حاسم و واضح ان الانطلاق بالكتابة من العوالم العميقة و الكلية للمعنى و الشعور لا يكفي لتحقيق التجريد ، بل لا بد من ان يظهر اثر ذلك في اللغة ايضا ، و لا تكفي الرمزية مع توظيفها و حكايتها و وصفيتها ، بلا لا بد ان تكون في وضع الاشعاع و التوهج المرئي بدل الحكاية .
 بالاضافة الى عناصر الابداع من الفنية و الجمالية و الرسالية التي يجب توفّرها في العمل الشعري الناضج ، لا بدّ ان تتصف اللغة التجريدية بصفات محددة اهمّها ان تكون تعبيرا عن عالم عميق للمعاني و الاحاسيس ، بوجوداتها الخالصة الحرة ، البعيدة عن التشكل و القصد ، ببوح كلي و كوني و انساني عميق ، بمفردات و تراكيب لا ترى فيها الا تجليات و تجسيدات لتلك العوالم و عناصرها من خفوت شديد للقول و الحكاية و التوصيل ، بلغة  تشع و لا تقول . حينها نكون امام لغة تجريدية لغة الاشعاع التي تتجاوز مجال القول و التشخّص .


نصوص تجريدية للدكتور أنور غني الموسوي
1-    الواحة


بين يدي الغروب يجلس الأقحوان ،  كمسافر على بساط الهمس ، يراقص النسيم .
مرآةً ورديّةً كان وجه الماء ، بعذوبة غريبة تداعبها أيدي الريح  .  كالطفولة اللذيذة أبهرني لون الشمس .
الرمال تعزف ألحانها المقرمشة ، و خيول البادية بعبقها الرمليّ ، تخترق صوت الزمن الحالم . وهناك ،  نحو الواحة  ، نحو شجرة البلّوط  ، صبيةٌ يلعبون ، و فراشات ناعسة ، قد بلّل ثيابها المساء  .
كم قد أسرتني  ترانيم الأغصان ، و أوراقها ذات العيون اللمّاعة ، و الطيور ، أجل الطيور
تأسر المكان بألوانها الزاهية و سحرها الأخّاذ .

آه كم أحبّ رائحة الصيف ،  و ظلّ شجرة تنشد للنسيم .


2-     صباحات بنية
 أّيتها الصباحات البنية  ، تعالي نحوي ، إليك كلّ جسد متعب ، في نهاياته شيء من رحيق مختوم .
اليست المغارات وردية و صافية ؟ الم تكن شعبا مرجانية تتهادى نحو الفضاء الواسع  ؟ النرجس ، السماوات ،  هطول مطر برّي ،  أعوام من الأسى القرنفلي .
يا للحنين يا للحنين ، يتراقص كجدول  ناعس ، حيث القطط  البنفسجية ترتّل صلواتها الاخيرة  ، الكون حينها كان يقظاً و توّاقا ، ليت المجد يتعلّم الرؤية ، سماءٌ لا تكاد تريد شيئا من البوح .
العذابات  ، العذابات ،  القضبان ،  التواريخ ، الأصابع الصفراء ،  العمى المرير.
التنهدات الحمراء ، الوردية  ، تعجّ باللون ، بكل اللون ، بتراتيل الخضرة الزرقاء .   بوّابة الفردوس فضيّة  ، و براقة و مشعة ، تتناثر تحت الجسر بطعمها الرقراق .
إنّها تتأرجح ، و عيناكَ هناك شيء من ورد ، تتعثر بالمياه الشقيّة ، الأسماك الورديّة تتقافز هنا و هناك ، أجل كان دبّ الغابة عاشقا .
انّها تصغي ، تعدّ  أصوات الضوء ، تصنع منها واحة و أغنية . هي ليست ناعمة و لا كثيرة الخشونة ، كما أنّها بلا هدير . تقف تحت الظلّ ، تصنع شمسا و حكاية ، تعيد كوكبا و نبةً و رياحا .
مرحى ، مرحى  يا للسعادة .

3-      الشرفة
 
نحو الشرفة الناعسة ، نحو عيون الشتاء ، حيث  يتساقط الشوق كالمساءات، يتخفّى خلف السكون ، خلف صوت الغيم ، يبني عشّا بطعم الذيول .
الظلال تلك الظلال ، ترنو نحو  باحة الصمت  ،هناك خلف ستارة الوهج البنّي  ، حيث  أنفاس الصقيع تردّد غربة الفجر.

 من تلك الزاوية ، تتصاعد أرواح الضباب الخضراء ، مبتهجة بالنسيم .




( الواحة )






بين يدي الغروب يجلس الأقحوان ،  كمسافر على بساط الهمس ، يراقص النسيم .
مرآةً ورديّةً كان وجه الماء ، بعذوبة غريبة تداعبها أيدي الريح  .  كالطفولة اللذيذة أبهرني لون الشمس .
الرمال تعزف ألحانها المقرمشة ، و خيول البادية بعبقها الرمليّ ، تخترق صوت الزمن الحالم . وهناك ،  نحو الواحة  ، نحو شجرة البلّوط  ، صبيةٌ يلعبون ، و فراشات ناعسة ، قد بلّل ثيابها المساء  .
كم قد أسرتني  ترانيم الأغصان ، و أوراقها ذات العيون اللمّاعة ، و الطيور ، أجل الطيور
تأسر المكان بألوانها الزاهية و سحرها الأخّاذ .

آه كم أحبّ رائحة الصيف ،  و ظلّ شجرة تنشد للنسيم .

صباحات بنيّة






أّيتها الصباحات البنية  ، تعالي نحوي ، إليك كلّ جسد متعب ، في نهاياته شيء من رحيق مختوم .
اليست المغارات وردية و صافية ؟ الم تكن شعبا مرجانية تتهادى نحو الفضاء الواسع  ؟ النرجس ، السماوات ،  هطول مطر برّي ،  أعوام من الأسى القرنفلي .
يا للحنين يا للحنين ، يتراقص كجدول  ناعس ، حيث القطط  البنفسجية ترتّل صلواتها الاخيرة  ، الكون حينها كان يقضاً و توّاقا ، ليت المجد يتعلّم الرؤية ، سماءٌ لا تكاد تريد شيئا من البوح .
العذابات  ، العذابات ،  القضبان ،  التواريخ ، الأصابع الصفراء ،  العمى المرير.
التنهدات الحمراء ، الوردية  ، تعجّ باللون ، بكل اللون ، بتراتيل الخضرة الزرقاء .   بوّابة الفردوس فضيّة  ، و براقة و مشعة ، تتناثر تحت الجسر بطعمها الرقراق .
إنّها تتأرجح ، و عيناكَ هناك شيء من ورد ، تتعثر بالمياه الشقيّة ، الأسماك الورديّة تتقافز هنا و هناك ، أجل كان دبّ الغابة عاشقا .
انّها تصغي ، تعدّ  أصوات الضوء ، تصنع منها واحة و أغنية . هي ليست ناعمة و لا كثيرة الخشونة ، كما أنّها بلا هدير . تقف تحت الظلّ ، تصنع شمسا و حكاية ، تعيد كوكبا و نبةً و رياحا .
مرحى ، مرحى  يا للسعادة .



·      *   نص في الأدب التجريبي  ، لغة تجريدية ، تعتمد نقل الاحساس ، و الشعور ، بشكل خام كلّي مجرّد و خلق الاحساس بالكلمات و الصور، مع خفوت صوت البوح  و القصد ،و  البناءات المعنوية  .













( ألم )








آلامي زاهية ، كأعياد رأس السنة  ،  تذهب كل صباح الى الدكّان المجاور لبلدتي ، لتشتري درّاجة وكلباّ ، لعلها تصل الى أبعد نقطة من بشرتي الناعسة .
حينها كنت هناك فوق تلك الشجرة ، نعم تلك ، ذات الأشواك المصفرّة ، أمدّ يدي نحو سحابة واهية ، كنت حينها أبتسم  ، يا للغرابة .
لقد رأيت قدميّ ، وهما تجوبان المجرّة بحثا عنك ، أيّها الألم العريض . هناك في زمن مدوّر كحبّة عنب ، هناك  أنا و أنت و شجرة البلّوط ، نهايةُ مؤكدة . نسافر بقاربنا السحريّ ، كنّا أغنية من ثلج ، كنّا بساطاّ فتّانا ، أنا و أنت ، أيّها الألم المرّ ، أنا و أنت بهجةٌ لا تنطفئ . يا للسعادة ، يا لفرحتي التعسة .


الشرفة




(لغة تجريدية)


نحو الشرفة الناعسة ، نحو عيون الشتاء ، حيث  يتساقط الشوق كالمساءات، يتخفّى خلف السكون ، خلف صوت الغيم ، يبني عشّا بطعم الذيول .
الظلال تلك الظلال ، ترنو نحو  باحة الصمت  ،هناك خلف ستارة الوهج البنّي  ، حيث  أنفاس الصقيع تردّد غربة الفجر.

 من تلك الزاوية ، تتصاعد أرواح الضباب الخضراء ، مبتهجة بالنسيم .