بعد ان اوضحنا ان
الاصح هو اتباع المنهج المتني في قبول الاخبار بقبول المصدق منها أي ما يصدقه
القرآن و السنة القطعية و رد ما يخالفهما من الاخبار مهما كانت درجة سنده او طبيعة
طريق نقله ، لقاعدة عدم التناقض في الخطاب الديني و التعاليم الدينية كما يقول تعالى (وَلَوْ
كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) وهو الذي يدل عليه العقل لان الشرع نظام دستوري له روح و أركان و مقاصد
لا يصح ما يخالفها من نقل مهما كان طريقه .
ولأجل غاية رفع
التناقض و لحقيقة وجود نقل غير صحيح فان السبيل الى ذلك هو رد الظني و المتشابه من النصوص الى القطعي
المحكم منها بعد وضوح فشل
و قصور الطرق الاخرى لتحقيق هذه الغاية و منها المنهج السندي و الذي ولد
اعتقادات خطيرة و بعيدة عن روح الاسلام كما هو معلوم للكثيرين .
عملية رد الظني الى القطعي موافقة و هي من صلب
التصديق و الايمان لانها رفع للشك باليقين ، حيث اننا هنا نرد الظني الحامل بالشك
الى القطعي الحامل باليقين ، و بهذا الوصل و السبب يرتفع الشك من الظني و يصير
بتبعيته و مصدقية القطعي له من فروع اليقين ، فيمكن ان نسمي الاول أي القطعي
باليقين الاصلي الاولي و الثاني أي الظن المصدق
باليقين الفرعي الثانوي .
منهج التقييم المتني
ليس فقط يرفع التناقض بين الاخبار و انما له القدرة على رفع الاختلاف بين
المسلمين وهذه هي الغاية العليا ، كما انه
يمهد الطريق نحو اسلام بلا مذاهب بوصايا و معارف
مصدقة يصدق بعضها بعضا .
من الواضح ان المضمون
الذي يحمله الخبر بحسب التقييم المتني و
قاعدة رد الظني الى القطعي اما ان يكون مصدقا فيقبل او شاذ فيرد . و لأجل ورود حالة الدسّ و التحريف في النقل
كما ان عملية الوضع واردة ، و لامكانية تعدد المضامين فان حالة اختلاف احوال
مضامين متعددة في خير واحد واردة أي انه يمكن ان يكون الخبر الواحد يشتمل على
مضامين متعددة تختلف في درجتها و قيمتها المتنية ، فيمكن ان يكون بعضها مصدقا و
بعضها شاذا و هذا وارد جدا بل و واضح الوقوع ، لذلك يكون جائزا جدا تفكيك الخبر
متعدد المضامين و معاملة كل مضمون منها على حدة و الاخذ و العمل بالمصدق و رد
الشاذ منها .
ان ضرورة عملية
التفكيك في الاخبار التي يفرضها العقل و الواقع تكشف الى حد بعيد الخلل الواضح في
المنهج السندي الذي يتبنى نظرية القبول الكامل او الرفض الكامل لكل خير ، بحيث لا
يمكن استثناء أي خبر من هذا القبول او الرفض الشمولي ، بينما التقييم المتني و
الاقرار بضرورة تفكيك الخبر متعدد
المضامين يتسم بواقعية و حقيقية و موضوعية . كما في عملية تمحيص المضامين و
تمييزها و فصلها عن بعضها تربية اخلاقية في النظرة الى الخارج ، بتقبل الجيد منه و
رد السيء حتى لو اجتمعا في موضع واحد ، و بهذا يرتفع
التقييم و الحكم عن الشخصنة و يصبح اكثر عملية كما انه سيكون متصفا بالانفتاح و
مبتعدا عن الشمولية و الراديكالية التي تعاني منها بعض المدارس الشمولية البعيدة
عن روح الاسلام .
ان هذا الانفتاح
العلمي سيعمل على بثّ تربية الانفتاح على الاخر و القبول بالاخر ، كما انه سيعمل
على نبذ الشمولية و الاحكام المسبقة و ادعاء المعرفة بحقيقة الآخر و وضعه الانساني
و الديني ، و يربي الانسان على روح التعايش و قبول الاخر و التجاوز عن زلاته و
اشاعة روح التسامح .
ان اهم ما يقلل من
القدرة العملية و تحرير طاقة البعض ليس الانغلاق في التعاليم بل الانغلاق في
انفسهم و منهجهم التعليمي . ان الاسقاطات التي تحصل بفعل التربية و ما
يعتقد انه من الدين و العلم يؤدي بالنهاية
الى انسان منغلق لا يتقبل الآخر و لا يتقبل العلم الذي عند الآخر ، فتجده معبأ بالادعائية
و الفوقية و الطبقية و التي تمنعه من قبول الآخر و ما لديه من علم و نقل صحيح و وصايا حقة و يمنعه من التعايش معه و
التوافق معه فتتحقق الخسارات المريرة .
القد اشاعت الشمولية
الاكاديمية و التعليمية في بعض المدارس و المناهج الدينية و منها المدرسة السندية روح الانغلاق و رفض الآخر و تسببت في خلق هذا الانسان
المنغلق و خرّبت النسيج الاجتماعي بسبب ما
ادت اليه من تربية شمولية و نهايات حكمية
غير واقعية . و على اصحاب الرأي اذا ما ارادوا لاهل هذا الدين ان يعيشوا
بروح الوحدة و الوفاق نبذ تلك المنهجية الشمولية و منها الشمولية العلمية
و النقلية و اشاعة روح التعايش و الانفتاح
و قبول الآخر وما لديه من علم و نقل .